تواجه شركة أسانا (Asana)، المتخصصة في أدوات إدارة وإنتاجية العمل، أحد أكبر التحديات الوجودية التي تواجه صناعة البرمجيات: هل ستؤدي تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى جعل أدوات البرمجيات كخدمة (SaaS) التقليدية عتيقة؟ تتزايد المخاوف بين المستثمرين حول مستقبل أدوات مثل أسانا، حيث انخفضت أسهم الشركة بأكثر من 50% هذا العام وسط مخاوف أوسع بشأن ما إذا كانت وكلاء الذكاء الاصطناعي وواجهات الدردشة يمكن أن تحل محل التطبيقات البرمجية بالكامل، مما يضع مستقبل حوكمة العمل في العصر الرقمي موضع تساؤل.
يجادل ستيف نورمان، الرئيس التنفيذي لشركة أسانا، بأن اضطراب الذكاء الاصطناعي لا ينفي الحاجة إلى تنسيق العمل، بل يوسع نطاقه بشكل كبير. في مقابلة حديثة، أوضح نورمان أن ازدياد نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات يزيد من تعقيد مشكلة تنسيق العمل بين البشر والآلات، بدلاً من تقليلها. أشار إلى مستقبل محتمل حيث تعمل آلاف وكلاء الذكاء الاصطناعي بشكل متوازٍ، مما يخلق حاجة ماسة إلى نظام لإدارتها وتجنب الفوضى.
أسانا وإعادة تعريف دورها في عصر الذكاء الاصطناعي
تتمحور استراتيجية أسانا حول إعادة تعريف نفسها ليس كتطبيق تقليدي للبرمجيات كخدمة، بل كـ “طبقة تنسيق” (orchestration layer) للبشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي. تعتمد الشركة على “الرسم البياني للعمل” (work graph) الخاص بها، وهو نموذج بيانات يربط المهام وسير العمل والمسؤوليات، ليكون بمثابة البنية التحتية اللازمة للقوى العاملة الهجينة الجديدة التي تجمع بين البشر والذكاء الاصطناعي. يؤكد أرناب بوس، كبير مسؤولي المنتجات في أسانا، أن التأثير المبكر للذكاء الاصطناعي في الشركات قد زاد بالفعل من تعقيد عبء العمل، حيث يواجه الموظفون مستندات أطول وأكثر تعقيدًا تتطلب المزيد من الإشراف.
يضع هذا التحول أسانا أمام تحدٍ في نموذجها التجاري. أشارت مذكرة بحثية من RBC Capital Markets في مارس إلى الضغوط التي تواجهها الشركة، مع تصنيف “ضعيف الأداء” لأسهمها بسبب تباطؤ النمو، والمنافسة الشديدة، وعدم اليقين المحيط بتأثير الذكاء الاصطناعي. في محاولة للتكيف، تتجه أسانا بعيدًا عن التسعير حسب عدد المقاعد (seat-based pricing) نحو نموذج هجين يتضمن رسومًا استهلاكية مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
يوضح نورمان أن عملاء أسانا يبحثون عن شيئين: إمكانية التنبؤ بالأسعار، ودفع مقابل القيمة المكتسبة أو النتائج المحققة. اعترف بأن هذين المطلبين قد يتعارضان، لكن هدف الشركة هو تلبية احتياجات العملاء على هذا المقياس. النموذج التقليدي للتسعير حسب عدد المقاعد يوفر قابلية ممتازة للتنبؤ، لكنه يصعب ربطه مباشرة بالقيمة المقدمة. لذلك، تتوقع الشركة أن تستقر في حالة هجينة لفترة، تجمع بين “قابلية المعرفة” للتسعير حسب المقاعد وهياكل جديدة تأخذ في الاعتبار استخدام رموز الذكاء الاصطناعي ونتائج الخدمات البرمجية الجديدة المعززة بالذكاء الاصطناعي.
تُسهم المنتجات الجديدة مثل “AI Teammates” و “AI Studio” جزئيًا في هذا التحول في نموذج التسعير، وتشهد نموًا سريعًا. من المتوقع أن تساهم عروض الذكاء الاصططناعي بحوالي 15% من الإيرادات السنوية المتكررة لأسانا في السنة المالية 2027. ومع ذلك، يعترف نورمان بأن هامش الربح الإجمالي لشركات الذكاء الاصطناعي الأصلية يميل إلى أن يكون أقل، مما يشير إلى تغيير هيكلي قد يضغط على ربحية قطاع البرمجيات كخدمة.
نهج أسانا المفتوح تجاه منظومة الذكاء الاصطناعي
في الوقت نفسه، تتبنى أسانا نهجًا مفتوحًا تجاه منظومة الذكاء الاصطناعي، حيث تشجع الوكلاء الخارجيين، بما في ذلك تلك التي تقدمها الشركات المنافسة، على الاندماج في نظامها بدلاً من حصره. عندما سُئل عن المخاطر المحتملة لذلك، خاصة وأن عروض الذكاء الاصطناعي من شركات مثل Anthropic قد أثارت قلق المستثمرين، أجاب بوس بأن ذلك “ليس مخيفًا على الإطلاق”.
يُبنى هذا المنطق على فكرة أنه إذا استخدم العملاء أدوات مثل Anthropic مع أسانا، فإن ذلك سيجعل منصة أسانا أكثر فائدة بمرور الوقت، لتصبح النظام المركزي الذي يتم فيه تتبع وتنسيق العمل، سواء كان هذا العمل يقوم به البشر أو المهام التي ينفذها زملاؤهم من وكلاء الذكاء الاصطناعي. يرى بوس أن هذا يجعل أسانا أكثر “التصاقًا” ويجعلها جزءًا لا يتجزأ من سير عمل المؤسسة.
إقناع المستثمرين في ظل عدم اليقين
على الرغم من هذه الاستراتيجيات، لا يزال المستثمرون غير مقتنعين تمامًا، حيث يخشون تباطؤ النمو، ويتشكك بعض المحللين في حجم السوق والموقف التنافسي للشركة. يرى نورمان أن السوق يمر حاليًا بمرحلة “تجنب المخاطر”، حيث يكافح المستثمرون للفصل بين الفائزين والخاسرين في سباق الذكاء الاصطناعي عبر صناعة البرمجيات.
وفقًا لنورمان، فإن مستقبل البرمجيات غير واضح بسبب الوعد الذي تقدمه نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يدفع المستثمرين إلى تجنب قطاع البرمجيات كخدمة بشكل عام. ويؤكد أن العبء يقع على كل شركة لتحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل رياحًا معاكسة أم مساندة. يعتقد أن الوقت سيُظهر أن أسانا هي طبقة التنسيق للبشر والوكلاء العاملين معًا، مما قد يخلق وضوحًا أكبر. بدأت هذه الرسالة تلقى بعض الاستجابة، حيث رفعت RBC يوم الثلاثاء تقييم أسانا إلى “أداء السوق” بعد لقاءات مع إدارة الشركة، مشيرة إلى أن تموضع أسانا كـ “سكة تنسيق” للوكلاء وسير العمل يميزها.

