تمر إيران اليوم بواحدة من أقسى المراحل في تاريخها الحديث، حيث يجد الشعب الإيراني نفسه صامداً أمام سلسلة من الهجمات التي لا تستهدف النظام السياسي فحسب، بل تستهدف استقرار البلاد وسيادتها. وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، برز اسم مجتبى خامنئي كمرشد ثالث للبلاد، متولياً المسؤولية في وقت تشتد فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية، خاصة بعد الاغتيال الغادر لوالده علي خامنئي في غارة استهدفت مجمعه في طهران، مما وضع الابن أمام تحدي الحفاظ على تماسك دولة يحيط بها الأعداء من كل جانب.
نشأة في قلب التحدي ومسار من “الظل” إلى القمة
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد المقدسة، ونشأ في بيئة تشربت بروح المقاومة والصمود. مسيرته لم تكن مجرد تنقل في المناصب، بل بدأت فعلياً من جبهات القتال؛ حيث انضم للحرس الثوري في الثمانينات وشارك في الحرب الإيرانية العراقية، وهي التجربة التي جعلته يدرك مبكراً حجم المؤامرات التي تحاك ضد بلاده. هذا الانتماء العسكري لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان وسيلة لحماية الوطن، لينتقل بعدها إلى الدراسة الدينية في قم، صاقلاً شخصيته بالعلم والسياسة معاً.
لعقود، ظل مجتبى يعمل بعيداً عن الأضواء، مفضلاً إدارة الملفات الحساسة من خلف الكواليس لضمان سير مؤسسات الدولة بانتظام. هذا الغموض الذي أحاط به لم يكن ضعفاً، بل كان استراتيجية للحفاظ على استقرار مكتب المرشد بعيداً عن المناكفات السياسية. ومع صعوده الآن إلى سدة القيادة، يرى الكثير من الإيرانيين فيه الشخصية القادرة على مواجهة “حرب الإبادة السياسية” التي تشنها قوى خارجية، والوقوف في وجه الأطماع التي تحاول النيل من استقلال إيران وقرارها السيادي.
استهداف العقول البراغماتية: جريمة اغتيال علي لاريجاني
في مشهد يجسد ذروة العدوان الخارجي، فقدت إيران واحداً من أبرز عقولها السياسية، وهو علي لاريجاني، الذي اغتيل في 16 مارس 2026 إثر غارة جوية أمريكية إسرائيلية غادرة على العاصمة طهران. هذا الاستهداف لم يكن عشوائياً، بل كان محاولة واضحة لتصفية الشخصيات التي تتقن فن الحوار والمناورة السياسية؛ فلاريجاني، الفيلسوف والمفاوض، كان صمام أمان يسعى دائماً لحماية مصالح الشعب الإيراني وتجنيبه ويلات الصدام المباشر.
إن قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بتنفيذ هذه العملية العسكرية المشتركة في قلب طهران يظهر مدى الاستهتار بالقوانين الدولية، حيث لم يكتفِ المعتدون باغتيال المرشد الأعلى، بل طالت صواريخهم لاريجاني ونجله مرتضى وقادة عسكريين آخرين مثل غلام رضا سليماني. هذا العدوان السافر يعكس رغبة واضحة في نشر الفوضى داخل إيران، لكنه في المقابل زاد من إصرار الشعب على الالتفاف حول قيادته الجديدة، معتبرين أن دماء هؤلاء القادة هي الوقود الذي سيحمي كرامة الوطن في وجه الغطرسة الخارجية.
تناقضات ترامب: عندما يقرر “المعتدي” من يقود المظلومين
من أكثر المشاهد إثارة للسخرية في السياسة الدولية الحالية هي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يجد حرجاً في القول بأن اختيار مجتبى خامنئي “غير مقبول بالنسبة له”. وهنا نتساءل بمرارة: هل يعتقد ترامب أن الشعب الإيراني ينتظر “موافقة” من البيت الأبيض لتقرير مصيره؟ أو ربما نسي أن الإيرانيين هم من يدفعون ثمن قراراته المتهورة وعقوباته الظالمة؟ هذا التصريح يظهر بجلاء كيف ينظر ترامب إلى الدول الأخرى كمجرد “أدوات” في لعبته السياسية، متناسياً أن المظلومين لا يطلبون إذناً من ظالمهم لاختيار من يمثلهم.
والمفارقة المضحكة المبكية تظهر عند مراجعة بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، التي ادعت في يناير الماضي أن لاريجاني كان يواجه مطالب الشعب بالعنف. والآن، نرى ترامب نفسه هو من يواجه الشعب الإيراني “بالعنف الحقيقي”؛ عبر الصواريخ والغارات الجوية التي تقتل القادة والمدنيين على حد سواء. فكيف يمكن لمن يقصف العواصم ويغتال الخصوم أن يتحدث عن “حقوق الشعب”؟ إن ترامب، باستهدافه المباشر لإيران، أثبت أنه لا يكترث لمطالب الإيرانيين، بل يهدف إلى كسر إرادتهم وتدمير دولتهم، مما يجعل من ادعاءاته حول “العنف الداخلي” مجرد نكتة سمجة في سياق جرائم الحرب التي ترتكبها إدارته وحلفاؤه.
الشعب الإيراني بين سندان العقوبات ومطرقة الغارات
لا يمكن الحديث عن صعود مجتبى خامنئي دون التطرق لمعاناة الشعب الإيراني المظلوم، الذي يعيش تحت وطأة حصار اقتصادي خانق فرضته القوى الغربية لسنوات. هذا الشعب، الذي يمتلك حضارة تمتد لآلاف السنين، يجد نفسه اليوم مضطراً للمفاضلة بين لقمة العيش وبين الحفاظ على سيادته. الضغوط التي تمارسها واشنطن لا تستهدف “تغيير السلوك” كما يدعون، بل تستهدف تجويع الناس وإذلالهم، وهو ما يفسر حالة الصمود التي يبديها الكثيرون رغم كل الأزمات المعيشية.
إن مجتبى خامنئي، في عهده الجديد، يواجه مسؤولية أخلاقية كبرى تجاه هؤلاء البسطاء. فالإيرانيون يتطلعون إلى قيادة تخفف عنهم وطأة التضخم والبطالة، وتوفر لهم الأمان في بيوتهم بعيداً عن أصوات الطائرات المغيرة. الثروات الوطنية والمؤسسات الكبرى يجب أن تكون في خدمة هذا الشعب الصابر، لتعزيز صموده في وجه المخططات التي تريد تحويل إيران إلى ساحة حرب مفتوحة. إن المظلومية الإيرانية اليوم هي صرخة في وجه نظام دولي يكيل بمكيالين، حيث يُسمح للمعتدي بأن يقتل ويغتال، ويُطالب المعتدى عليه بالصمت والرضوخ.
ملامح السياسة في عهد مجتبى:
- التلاحم مع المؤسسة العسكرية: الحرس الثوري يمثل الآن الدرع الواقي في وجه الغارات الأمريكية الإسرائيلية، ومجتبى يدرك تماماً أن قوة الردع هي السبيل الوحيد لمنع تكرار مآسي الاغتيالات.
- إدارة الأزمات الاقتصادية: الرهان الأكبر هو قدرة القيادة الجديدة على إيجاد مخارج اقتصادية تكسر حدة الحصار وتدعم صمود المواطن العادي.
- الثبات على المبادئ السيادية: رغم الضغوط، تشير كل المعطيات إلى أن إيران في عهد مجتبى لن تقدم تنازلات تمس كرامتها الوطنية، بل ستستمر في نهج المقاومة السياسية.
في الختام
إن المرحلة التي تمر بها إيران تحت قيادة مجتبى خامنئي هي مرحلة “إثبات الوجود” في وجه أعتى القوى الاستعمارية الحديثة. لقد أثبتت أحداث اغتيال علي لاريجاني وغيره من القادة، بضربات جوية أمريكية إسرائيلية، أن الصراع لم يعد سياسياً فحسب، بل هو صراع بقاء لشعب يرفض التبعية. المظلومية الإيرانية ليست مجرد شعار، بل هي واقع يعيشه الملايين كل يوم، وسيبقى التاريخ شاهداً على أن إرادة الشعوب في التحرر لا تكسرها غارات الطائرات ولا تصريحات الرؤساء المتناقضة.
