غضب ترامب على المحكمة العليا: نزاع حول السياسة التجارية يثير جدلاً واسعاً

شهدت الساحة السياسية الأمريكية تصعيداً جديداً في التوترات، حيث شن الرئيس دونالد ترامب هجوماً لاذعاً على المحكمة العليا للولايات المتحدة، وذلك عقب قرار قضائي أكد رفضاً شاملاً لسياسته التجارية. وصف ترامب قرار المحكمة بأنه “خيانة” ووصف بعض القضاة بأنهم “يجب أن يشعروا بالخزي المطلق” لتأييدهم ضده.

اتهامات بالتأثر بمصالح أجنبية وتحيز سياسي

في تصريحات تعتبر من بين أقساها ضد أعلى سلطة قضائية في البلاد، اتهم ترامب، دون تقديم أدلة، بعض القضاة بأنهم “تأثروا بمصالح أجنبية”. كما وصف رأي الأغلبية بأنّه “يكاد لا يكون مكتوباً بواسطة أشخاص أذكياء”، وأضاف: “يعتقد آخرون أنهم يتصرفون بـ ‘الصواب السياسي’، وهو ما حدث مراراً وتكراراً مع أعضاء هذه المحكمة”. واتهمهم بأنهم “مجرد حمقى وكلاب حراسة لـ RINOS واليسار المتطرف”.

التشكيك في الولاء وتدابير بديلة

لم يتردد ترامب في التساؤل عن ولاء “شعبنا”، في إشارة واضحة إلى اثنين من الموقوفين لديه، وهما القاضيان إيمي كوني باريت ونيل جورساتش، اللذان أيدا الرأي المخالف لإدارة ترامب. وأكد الرئيس أنّه بسبب هذا القرار “المخيب للآمال للغاية”، سيتم استخدام “بدائل” للحفاظ على أجندته التجارية.

لاحقاً، أعلن ترامب عزمه فرض تعريفة جمركية عالمية بنسبة 10%، لتضاف إلى أي تعريفات قائمة، مستخدماً صلاحيات منفصلة. وأوضح: “المحكمة العليا لم تلغِ التعريفات. لقد ألغت مجرد استخدام معين لتعريفات قانون IEPPA”، مشيراً إلى القانون المتنازع عليه في حكم المحكمة.

استراتيجية بديلة لفرض التعريفات

أكد مسؤول في البيت الأبيض لاحقاً أن الدول التي كانت تخضع لتعريفات بموجب السلطة التي نقضتها المحكمة العليا ستخضع الآن لضريبة بنسبة 10% عالمياً. وأضاف المسؤول: “مع عدم انطباق قانون IEEPA بعد الآن، ستخضع تلك الدول الآن للضريبة العالمية بنسبة 10% باستخدام السلطة القانونية بموجب المادة 122”. وتابع: “هذا، مع ذلك، مؤقت فقط حيث ستسعى الإدارة إلى خلق سلطات قانونية أخرى لتنفيذ معدلات تعريفات أكثر ملاءمة أو تم التفاوض عليها مسبقاً.”

الغموض حول المستقبل طويل الأمد

يبقى مصير استراتيجية التعريفات طويلة الأمد غير واضح. حيث أن التعريفات بموجب المادة 122، والتي قال ترامب إنه سيستخدمها لفرض تعريفة عالمية، لا يمكن فرضها إلا لمدة 150 يوماً. وبعد ذلك، يجب على الكونغرس التصويت على تمديدها. ومن غير المؤكد ما إذا كانت مثل هذه الأصوات ستمر قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية.

وعند سؤاله عما إذا كانت الحكومة ستضطر الآن إلى إصدار مبالغ مستردة، انتقد ترامب المحكمة مرة أخرى لعدم معالجتها هذه المسألة. وقال: “أعتقد أن الأمر سيتم تقاضيه لمدة عامين آخرين”.

قرار المحكمة وتداعياته

في قرار بأغلبية 6 مقابل 3، قضت المحكمة العليا بأن ترامب لم يكن لديه السلطة بموجب قانون يعود إلى السبعينات لفرض تعريفات شاملة من جانب واحد، كما فعل في أبريل 2025 خلال “يوم التحرير”. لا يبطل هذا الحكم جميع التعريفات التي فرضها ترامب، حيث تم فرض تعريفات أخرى بموجب صلاحيات مختلفة. لكنه يعني أن ترامب أصبح مقيداً بشكل كبير في فرض تعريفات عامة وشاملة ضد الدول، وهو أحد أساليبه المفضلة في المفاوضات التجارية.

كتب رئيس المحكمة جون روبرتس في رأي الأغلبية: “يجب على الرئيس ‘الإشارة إلى تفويض واضح من الكونغرس’ لتبرير ادعائه الاستثنائي بالسلطة لفرض التعريفات. هو لا يستطيع”.

“رجل التعريفات” والإيرادات المجمعة

لطالما أعلن ترامب، الذي أطلق على نفسه مراراً لقب “رجل التعريفات”، عن نيته استخدام الإيرادات من التعريفات لتمويل مجموعة متنوعة من الأشياء، بدءاً من شيكات المبالغ المستردة، إلى سداد الديون الوطنية، والمساعدة في تمويل رعاية الأطفال.

وبلغت الإيرادات المجمعة من التعريفات أكثر من 133 مليار دولار حتى ديسمبر، وفقاً لبيانات وزارة الخزانة. وقد أشارت الإدارة باستمرار إلى أن اتخاذ قرار بإلغاء التعريفات سيكون فوضى يصعب فرزها، لا سيما فيما يتعلق بالعمليات المحتملة لاسترداد الأموال.

مخاوف حول استرداد المبالغ

قال وزير الخزانة آنذاك، سكوت بيسنت، لرويترز: “لن تكون مشكلة إذا اضطررنا إلى القيام بذلك، ولكن يمكنني أن أخبركم أنه إذا حدث ذلك – وهو ما لا أعتقد أنه سيحدث – فسيكون مجرد هدر مالي للشركات”. وتساءل: “كوستكو، التي تقاضي الحكومة الأمريكية، هل ستعيد الأموال لعملائها؟”

لم يتطرق رأي روبرتس بشكل صريح إلى عملية استرداد محتملة، وهي نقطة استغلها القاضي بريت كافانو في رأيه المخالف المكون من 63 صفحة. كتب كافانو: “المحكمة لا تقول شيئاً اليوم حول ما إذا كانت الحكومة، وإذا كان الأمر كذلك، كيف ينبغي لها أن تعيد المليارات التي جمعتها من المستوردين”. وأضاف: “لكن تلك العملية من المرجح أن تكون ‘فوضى’، كما تم الاعتراف بها في المرافعة الشفوية”.

إشادة بقاضٍ واحد وانتقاد للآخرين

بالإضافة إلى انتقاد القضاة في الأغلبية، قدم ترامب إشادة مكثفة لكافانو، الذي كتب رأياً مخالفاً طويلاً. قال ترامب: “أنا فخور جداً به”، مشيراً إلى أن أسهم كافانو “ارتفعت كثيراً”.

من غير المرجح أن يكون هذا هو آخر ما سيتحدث عنه ترامب بشأن هذا الحكم الذي سيصبح تاريخياً قريباً. ففي يوم الثلاثاء، من المقرر أن يلقي خطابه السنوي حول حالة الاتحاد، حيث يحتل القضاة تقليدياً مقاعد الصف الأمامي على أرضية مجلس النواب.

الخلاصة: استمرار المعركة القانونية والتجارية

تُظهر تداعيات هذا القرار أن المعركة الدبلوماسية والتجارية لا تزال محتدمة، وأن الرئيس ترامب مصمم على المضي قدماً في أجندته التجارية، حتى لو اضطر إلى الالتفاف على القرارات القضائية. يبقى أن نرى كيف ستتعامل الإدارة مع القيود القانونية الجديدة، وما إذا كانت ستتمكن من تحقيق أهدافها التجارية دون تصعيد جديد في الخلافات القانونية.

شاركها.
Exit mobile version