الأمير أندرو: الضوء الأحمر لقضية “مشكلة أندرو” الملكية

بدأ عيد ميلاد الأمير أندرو الـ 66، نجل الملك تشارلز الثالث، في أجواء مشحونة بالتوتر، مع وصول ست سيارات شرطة مجهولة وثمانية ضباط بملابس مدنية لتفتيش منزله “وود فارم” في عقار ساندريغهام الملكي. جاء ذلك بالتزامن مع أنباء عن صدور مذكرة بحق شقيق الملك بتهمة إساءة استخدام المنصب. يتكيف الجمهور البريطاني مع مناداته حالياً بـ “أندرو مونتباتن-ويندسور” فقط، بعد تجريده من ألقابه وأوسمته المتبقية بأمر من الملك تشارلز الثالث. بالنسبة للعائلة المالكة، “الشركة” كما يطلق عليها، التي تسعى لإعادة تعريف نفسها بعد عهد الملكة إليزابيث الثانية الطويل، بات الأمير أندرو عبئاً ثقيلاً.

سنوات من التساؤلات والاتهامات: العلاقة مع جيفري إبستاين

لطالما أمضى الأمير أندرو، الذي قيل إنه كان الطفل المفضل للملكة إليزابيث، سنوات طويلة في نفي تورطه في مزاعم تتعلق بعلاقته مع مجرم الجنس المدان جيفري إبستاين، وما إذا كانت لديه صلة بشبكة إبستاين في تجارة الفتيات والنساء القاصرات. غزلين ماكسويل، رفيقة إبستاين البريطانية والمقربة منه، أدينت بالاتجار بالبشر بعد وفاته في السجن عام 2019.

أدى الكشف الأخير عن ملفات إبستاين إلى فتح صندوق باندورا وزيادة حدة ما كان القصر يشير إليه منذ فترة طويلة بـ “مشكلة أندرو”. يبدو أن اتهامات إساءة استخدام المنصب تتعلق بمراسلات تشير إلى أن الأمير أندرو أفشى معلومات سرية حصل عليها خلال مهام تجارية خارجية.

تفاصيل خطط بنكية وسيارات فاخرة

تكشف وثائق أخرى أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية الشهر الماضي عن قيام مساعد الأمير عام 2010 بمشاركة تفاصيل حول خطط إعادة هيكلة في البنك الملكي باسكتلندا، الذي تم إنقاذه بأموال دافعي الضرائب بعد الأزمة المالية، بالإضافة إلى مشكلات إدارية داخلية لدى شركة صناعة السيارات الفاخرة أستون مارتن.

دور دبلوماسي غامض ونمط حياة مبهرج

في حياة أندرو، التي افتقرت إلى هدف واضح بعد سنوات خدمته المبكرة في البحرية الملكية، كان دوره الرسمي الأكثر أهمية هو مبعوث بريطانيا للتجارة والاستثمار. كُلّف بتعزيز المصالح الاقتصادية البريطانية في الشرق الأوسط وآسيا، وكان بمثابة “واجهة عرض” ملكية لبلد يعتمد على الاستثمار الأجنبي ومستعد لإرسال أمير “احتياطي” حول العالم لجذب الاستثمارات.

غالباً ما كان الخط الفاصل بين هذا الدور ونمط حياة الأمير المليء بالحفلات غير واضح؛ فسمعته كـ “بون فيفان” مبهرج (المعروف بـ “راندي آندي”) لازمتْه باستمرار. وقد قدم إبستاين، الباحث عن الوصول إلى شخصيات مؤثرة في لندن، للأمير أندرو رفقة نسائية. في أحد رسائل البريد الإلكتروني عام 2013، كتب إبستاين: “لدي صديقة جميلة جداً ستأتي إلى لندن يوم الثلاثاء. قد يرغب أندرو في دعوتها للعشاء”. وتُظهر صور من ملفات إبستاين الأمير أندرو وهو ينحني فوق شابة على سجادة.

اتهامات جنائية صريحة وتغيير في الدعم الملكي

لم تعد الصعوبات التي تواجه الأمير أندرو (مونتباتن-ويندسور) والعائلة المالكة مقتصرة على هذه التعاملات المشبوهة، بل امتدت لتشمل اتهامات جنائية ملموسة. أصدر الملك هذا الأسبوع بياناً يؤكد أن أيام الدعم الأخوي الهادئ قد ولت، مرحباً بـ “عملية كاملة وعادلة وسليمة” مع “الدعم والتعاون الكاملين” من قبل القصر.

حقيقة واحدة باتت مؤكدة: بالنسبة لشخص نشأ داخل العائلة المالكة حيث تُقدر السرية فوق كل شيء، فإن تهور الأمير أندرو صار لافتاً للنظر. تُظهر رسائل البريد الإلكتروني أنه أعاد إرسال تقارير سفر حكومية من زيارات إلى فيتنام وسنغافورة والصين إلى إبستاين.

فضيحة فيرجينيا جيوفري

يبقى الاتهام الأكثر خطورة، اتهام فيرجينيا جيوفري، إحدى النساء اللواتي يدّعين أنهن تعرضن للاستغلال الجنسي من قبل إبستاين وماكسويل، والتي انتحرت في أبريل الماضي بعد سنوات من الضغط النفسي. زعمت أن الأمير أندرو مارس الجنس معها في لندن عام 2001 عندما كانت تبلغ من العمر 17 عاماً، وهي الفترة نفسها تقريباً التي التقطت فيها الصورة المتداولة على نطاق واسع، والتي تُظهر الأمير أندرو وهو يحتضنها في شقة ماكسويل.

نفى الأمير أندرو مراراً وتكراراً أي اتصال جنسي مع جيوفري؛ وقد توصل إلى تسوية خارج المحكمة معها في قضية مدنية، يُقال إنها تضمنت دفع مبلغ مالي كبير. لم يعترف الأمير بمسؤوليته، وجادل بأن الملكة إليزابيث ومستشاريها الأقرب ضغطوا من أجل التسوية لحل القضية خلال السنوات الأخيرة من حياة الملكة.

يبدو أن أموال التسوية، التي وصفتها الصحافة البريطانية بأنها “قرض” من الأسرة الملكية للأمير أندرو، تم دفعها على أمل وضع حد لهذه القضية الحساسة.

تداعيات على صورة الملكية الحديثة

هذا يثير أسئلة مقلقة للملكية المعاصرة، التي تصدر الآن بيانات وتعبر عن تعاطفها مع ضحايا إبستاين. يُقال إن “الأربعة الكبار”، الذين يمثلون الملكية في وقت الاضطرابات الوطنية والدولية – الملك تشارلز والملكة كاميلا، بالإضافة إلى الأمير والأميرة ويلز، وليام وكاثرين – متفقون على الحفاظ على مسافة مهنية وشخصية واضحة عن الأمير أندرو.

وقد أثارت الإشارات في الملفات، التي تفيد بأنه تم التخطيط لزيارات من إبستاين ونساء كان ينوي تقديمهن للأمير أندرو “بشكل خاص” في أماكن الإقامة الملكية دون تدقيق أمني، غضباً خاصاً.

يُعد تجريد الأمير أندرو من جميع ألقابه الملكية ورعاياته بعد مفاوضات مطولة مع تشارلز، ونقله إلى سكن أكثر تواضعاً في عقار ساندريغهام، إشارة واضحة إلى أن أيام اعتماده على دعم شقيقه قد انتهت.

ومع ذلك، تبقى الأسئلة حول كيفية السماح لهذه الدراما بالتفاقم إلى هذا الحد، ولماذا تأخر اتخاذ إجراء حاسم لفترة طويلة، حتى مع تزايد عدم تعاون الأمير على مر السنين.

استراتيجية البقاء الملكية

أحد التفسيرات المحتملة هو أن الملكية مؤسسة استراتيجية. كنظام عمره قرون، فقد نجا من اضطرابات تتراوح من أزمة التنازل عن العرش في الثلاثينيات إلى ابتعاد الأميرة ديانا ووفاتها.

يبدو أن هناك اعتقاداً داخل دوائر القصر بأن الجمهور البريطاني، الذي يدعم الملكية إلى حد كبير، سيتقبل أن العائلة المالكة هي أيضاً كيان معقد، بأعضاء إشكاليين يتنقلون في التوتر بين الولاء الشخصي وتوقعات الجمهور.

ومع ذلك، توضح هذه القضية وتداعياتها القانونية الناشئة مدى صعوبة إيجاد دور هادف للأمراء “الاحتياطيين” في نظام مبني على النسب والتسلسل الهرمي الصارم.

من الناحية الرسمية، لا يزال الأمير أندرو يحتل المركز الثامن في خط الخلافة على العرش، ولا يمكن تغيير تواريخ الميلاد أو الخلافة دون قانون من البرلمان، لكنه من الناحية العملية أصبح منبوذاً. ومع ذلك، فإن “مشكلة أندرو” لم تعد تخصه وحده. قد يمثل اعتقاله مجرد بداية لتطهير أعمق وأكثر إيلاماً.

شاركها.
Exit mobile version