بين توقيع مذكرتي تفاهم في القاهرة بشأن الغاز والنفط، واستئناف مفاوضات أمنية في باريس، وفتح ملف دمج القوات شمال شرقي البلاد، ثم انتقال النقاش إلى ألمانيا حيث تتصارع السياسة مع حاجة المستشفيات للأطباء، تبدو سوريا اليوم في قلب شبكة ملفات متداخلة لا يمكن فصلها. في هذا السياق، تبرز متابعة أخبار سوريا كمدخل لفهم الصورة الأوسع: دولة تحاول إعادة تشغيل ما توقّف، وسط تحديات سيادية واقتصادية واجتماعية، بينما يظل سؤال الشرعية والحوكمة حاضراً في الخلفية، خصوصاً مع ما يرتبط باسم أحمد الشرع داخل المشهد السياسي الجديد وتوقعات الناس من الدولة.

أولاً: “الطاقة” كاختبار قدرة الدولة على إعادة التشغيل

توقيع مصر وسوريا مذكرتي تفاهم للتعاون في توريد الغاز لتوليد الكهرباء وتلبية احتياجات دمشق من المنتجات النفطية يحمل بعدين متوازيين:

1) بعد عملي: كهرباء أسرع من إعادة إعمار شاملة

قطاع الطاقة السوري تعرّض لتدمير طويل خلال سنوات الحرب، وإعادة بناء البنية التحتية من الصفر ليست خياراً سريعاً. لذلك تبدو فكرة الاستفادة من الإمكانيات المصرية (سفن تغييز، شبكات نقل الغاز، خبرات فنية) كحل “مرحلي” لتقليل الفجوة بين الطلب والإنتاج، ورفع ساعات التغذية، وتخفيف الضغط على قطاعات حساسة مثل:

  • المستشفيات والمرافق الصحية
  • ضخ المياه والصرف الصحي
  • الصناعة الخفيفة والغذاء
  • سلاسل التبريد والتموين

2) بعد سياسي: تعاون عربي بطابع لوجستي

تقديم مصر نفسها كمركز لوجستي لتداول الطاقة ليس مجرد توصيف؛ بل رسالة بأن دعم دمشق قد يمر عبر مسارات إقليمية منظمة، وأن الطاقة قد تكون بوابة لتوسيع التعاون العربي “العملي” بعيداً عن الشعارات.

ثانياً: أمن عبر باريس… والسيادة كعنوان تفاوضي

في المقابل، يتحرك مسار آخر أشد حساسية: مفاوضات أمنية بين سوريا وإسرائيل بتنسيق ووساطة أميركية، مع تركيز معلن على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024، ضمن صيغة تُقدَّم كاتفاق “متكافئ” يضع السيادة السورية فوق كل اعتبار.

هنا تظهر تعقيدات ثلاث:

1) مفاوضات “حدود” لكنها ليست حدوداً فقط

الحديث عن الانسحاب ونزع السلاح جنوباً يجر وراءه ملفات النفوذ والضمانات ومن يراقب التنفيذ، وما الذي ستعتبره كل جهة “سلوكاً مهدداً” يبرّر العودة للتصعيد.

2) توقف سابق وفجوات ثم عودة

استئناف الجولة بعد توقف سابق يوحي بأن الفجوات ما زالت قائمة، وأن ما يُكتب على الورق يحتاج أرضية ميدانية أقل توتراً ليصبح قابلاً للحياة.

3) التطبيع كمآل محتمل أم كفزّاعة تفاوضية

إدراج احتمال أن تكون هذه الترتيبات “خطوة أولى” نحو علاقات دبلوماسية مستقبلاً يرفع الحساسية داخلياً وخارجياً. لذلك قد تُفضّل الأطراف التعامل معها كترتيب أمني محدود، لا كتحول سياسي شامل… على الأقل في هذه المرحلة.

ثالثاً: “قسد” ودمج القوات… العقدة التي لا تُحل بالبيانات

في الداخل، يبقى ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة أحد أعقد الاختبارات أمام استقرار طويل الأمد. الاجتماع الذي عُقد في دمشق لم يحقق تقدماً ملموساً بحسب رواية حكومية، مقابل تأكيد من الطرف الآخر على استمرار الاجتماعات.

المعضلة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية وأمنية واقتصادية في آن واحد. ويمكن تلخيص نقاط التوتر الرئيسية في ثلاثة محاور:

  1. السلطة والإدارة: ما حدود اللامركزية؟ وما شكل الإدارة المحلية؟
  2. الأمن والسلاح: من يقرر الانتشار، ومن يملك قرار القوة؟
  3. الموارد: حقول النفط والمعابر والمطارات… من يدير ومن يموّل؟

وكل تأخير يفتح باب المخاطر: صدام داخلي، أو تدخلات خارجية، أو تعطيل فرص التعافي في منطقة تُعد من مفاتيح الاقتصاد والموارد.

رابعاً: ألمانيا… حين تتحول الهجرة إلى ملف “كوادر” لا مجرد أرقام

بعيداً عن الجغرافيا السورية المباشرة، يظهر أثر الحرب والتحولات السياسية في أوروبا، وتحديداً في ألمانيا، حيث حذرت جمعيات صحية من أن تصاعد الخطاب المعادي للسوريين قد يفاقم نقص الكوادر الطبية.

الصورة هنا شديدة الدلالة: بلد يشيخ سكانه ويحتاج عمالة ماهرة، وفي الوقت نفسه يتصاعد فيه الضغط السياسي لتشديد الهجرة. وعندما يكون السوريون من أكبر مجموعات الأطباء الأجانب، فإن أي موجة مغادرة أو تراجع في الاستقرار القانوني قد تعني:

  • اختناقات في العيادات والمستشفيات
  • طول فترات انتظار المرضى
  • ضغط أكبر على قطاع الرعاية ودور المسنين
  • خسارة استثمار طويل في الاندماج والتعليم والترخيص المهني

وفي الخلفية، يبرز سؤال واقعي: هل العودة “ممكنة” فعلاً لمن بنى حياة ومهنة وأسرة، بينما إعادة البناء في الداخل تحتاج سنوات، وربما ضمانات أوسع من مجرد وعود سياسية؟

في النهاية

المشهد السوري اليوم ليس ملفاً واحداً، بل أربعة مسارات تتحرك معاً: طاقة تُدار بمنطق “التشغيل السريع”، وأمن تُدار مفاوضاته تحت سقف السيادة والخطوط، وبناء دولة يتعثر عند تفاصيل الدمج والموارد، وشتات بشري في الخارج يتحول من قضية لجوء إلى قضية مهارات واقتصاد وخدمات. ما سيحسم الاتجاه ليس توقيع مذكرة أو عقد جولة تفاوضية، بل القدرة على تحويل هذه المسارات إلى نتائج ملموسة: كهرباء أكثر، اشتباك أقل، مؤسسات أمتن، وبيئة تجعل السوري يفكر بالمستقبل داخل بلده لا فقط خارجه.

شاركها.
Exit mobile version