بنبرة مليئة بالقلق لدى البعض، والخوف لدى البعض الآخر، يتساءل الشعب السوداني عما إذا كانت هذه الحرب اللعينة ستنتهي قريبا، مما يسمح للناس بالعودة إلى ديارهم التي تركوها قسراً وفي محنة. وينبع خوفهم من تفاقم الدمار والقتل والوحشية وسيطرة كل ما يتعارض مع الإنسانية، مما يهدد بأسوأ الاحتمالات غير المسبوقة في تاريخ السودان الحديث.
القلق والقلق ينشأ من مصدرين. الأول هو تأخير انعقاد منصة جدة، على الرغم من أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان، توم بيرييلو، دعا إلى استئنافها نهاية شهر رمضان أوائل أبريل/نيسان. وكأن الوضع يقول ربما ينجح المنبر هذه المرة في تجاوز فشل المناسبات السابقة ويخطو خطوة نحو وقف الصراع. وتحدث بيرييلو في ختام جولة شملت كينيا وأوغندا وإثيوبيا وجيبوتي ومصر والسعودية وأمانة إيقاد، وأشار بحسب تقارير صحفية إلى توقع تدخلات دولية لوقف الحرب والضغط من أجل السلام. وذلك تنفيذاً لرغبات الدول المذكورة. أما المصدر الثاني للقلق فهو خيبة الأمل الشديدة لدى فئات المجتمع المدني في السودان، التي لا تزال غارقة في الاستقطاب السياسي، وترفض الطرف الآخر، وتمارس السياسة وكأنها تجهل ظروف البلاد.
إنهم يتصرفون وكأنهم غير مهتمين بتفكك وحدة البلاد، وهو احتمال خطير للغاية.
ومباحثات جدة السابقة، ومبادرات المؤسسات الإقليمية والدولية، والقرارات والاتفاقيات التي أصدرتها، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن وقف إطلاق النار خلال شهر رمضان، تظل كلها معلقة دون اتخاذ أي خطوات عملية لتنفيذها. وكما ذكرت من قبل، إذا قبلنا تفسير ذلك بغياب الإرادة والجدية المطلوبة من الجانبين – الجيش السوداني وقوات الدعم السريع – فإنه من الصعب جداً قبول أي تفسير يستشهد بعدم القدرة وعدم القدرة على ذلك. وسعة الحيلة لدى الدول والمؤسسات الدولية والإقليمية ومعارفها وخبراتها العملية. ومن الصعب أيضاً الرفض المطلق للفرضية القائلة بأن بعض الأطراف الخارجية قد لا ترغب في وقف الحرب في السودان، بل تريد استمرارها.
يقرأ: تؤدي الصراعات إلى رقم قياسي جديد يبلغ 75.9 مليون شخص يعيشون في حالة نزوح داخلي
ومع ذلك، ووفقاً للتطورات الراهنة، هناك عدة عوامل قد تدفع الوسطاء الدوليين والإقليميين إلى زيادة ضغوطهم على الطرفين لتحقيق اختراق في جولة المفاوضات المرتقبة:
- التداعيات الدولية والإقليمية، الرسمية والشعبية، فيما يتعلق بالكارثة الإنسانية التي خلفت 15 ألف قتيل وتسعة ملايين نازح و25 مليوناً يحاصرهم الجوع.
- ويجب أن يُسأل الطرفان عن الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان وما يمكن اعتباره جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من رفع عصا الإجراءات القانونية ضد الطرفين بسبب الجرائم الماضية العديدة، بما في ذلك مجزرة فض الاعتصام في يونيو 2019.
- غضب من دور الأطراف المتصارعة في عرقلة طريق التحول الديمقراطي المدني عقب ثورة ديسمبر 2018.
- تزايد المخاوف الدولية من تداعيات الحرب على الأمن العالمي والإقليمي، بما في ذلك أمن البحر الأحمر، أهم رابط بحري لأوروبا مع آسيا والمحيط الهادئ، واحتمال أن يصبح السودان أرضاً خصبة للجماعات الإرهابية وباباً دواراً للاتجار بالبشر والمقاتلين المتطرفين والأسلحة وجميع أنواع التجارة غير المشروعة بين منطقة الساحل وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
لكن رغم هذه الضغوط وغيرها، فإن اتفاق جدة وأي منصة أخرى ستبقى غير قادرة على تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في وقف الأعمال العدائية، ما لم تصاحبها آليات مجربة ومختبرة للضغط على الطرفين لتنفيذ وقف دائم للأعمال العدائية أو على الأقل وقف الأعمال العدائية. إنشاء مناطق منزوعة السلاح لتحقيق تدفق المساعدات الإنسانية. ولم يلتزم الطرفان بما وقعا عليه في العديد من اتفاقيات الهدنة، بما في ذلك وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين عبر ممرات آمنة، والانسحاب من المستشفيات والعيادات الطبية، أو حتى السماح بدفن الموتى باحترام. ، وما إلى ذلك وهلم جرا.
إن إنقاذ المدنيين وتجنب الكارثة في السودان يتطلب تدخلاً مباشراً من المجتمع الدولي والإقليمي.
ويجب أن يتم ذلك وفقاً للقرارات الدولية، لفرض وقف القتال بالقوة وإنشاء ممرات آمنة تسمح بتدفق المساعدات الإنسانية إلى المواطنين المحاصرين في مناطق العمليات وتسمح للجهود التي يمكن أن تساعد في بدء عجلة الإنتاج في المنطقة. المناطق والولايات السودانية بعيدة عن العمليات العسكرية. وذلك في ظل الأداء المعيب للبنوك وشح السيولة النقدية ونقص الرواتب وغياب المؤسسات ذات الصلة والأضرار التي لحقت بالقطاع الخاص بسبب الحرب.
يقرأ: أمريكا تطلب من الإمارات وقف التدخل في السودان
أما آليات الضغط المتوفرة والمجربة، فهي تشمل منع تدفق الأسلحة والذخائر إلى الطرفين؛ تجميد الحسابات في البنوك العالمية والإقليمية؛ وفرض عقوبات على المؤسسات والأفراد على جانبي الصراع؛ وإذا لزم الأمر، إعادة تموضع القوات المتحاربة من خلال إرسال قوات طوارئ أفريقية وفقًا للاتحاد الأفريقي، بدعم من المجتمع الدولي، لإنشاء مناطق منزوعة السلاح في البلاد. جدير بالذكر أن قوات الطوارئ الأفريقية تم تشكيلها من قبل الاتحاد الأفريقي لمنع انتشار القتال والصراعات المسلحة داخل الدول الأفريقية، والسودان عضو في لجنتها التنسيقية. صحيح أن تنفيذ ذلك صعب، لكنه ليس مستحيلاً، خاصة عندما نتذكر نجاح إجلاء مواطني الدول الغربية بعد اندلاع القتال. في رأيي، كانت هذه عمليات عسكرية كاملة من قبل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وهناك حزم مماثلة تم تنفيذها في عدد من البلدان التي وقع فيها القتال. ومن المؤكد أننا يجب أن نأخذ في الاعتبار تجربة قوات الأمم المتحدة، وبعثة الأمم المتحدة في السودان، واليوناميد، في جنوب السودان ودارفور.
إن وقف القتال وشل الأيدي التي ترتكب هذه الانتهاكات، بالإضافة إلى ضمان تدفق المساعدات الإنسانية وتأمين حياة الشعب السوداني المحاصر في البلاد، هي الأولوية القصوى التي يجب مناقشتها على منصة التفاوض قبل الشروع في أي خطوة سياسية. العملية أو النظر في أي تدابير انتقالية. وبغض النظر عن كيفية القيام بذلك، فإن وقف القتال أمر حتمي.
ظهر هذا المقال لأول مرة باللغة العربية في القدس العربي بتاريخ 12 مايو 2024
يقرأ: ما وراء الجوائز والأوسمة: لماذا يعتبر الصحفيون في غزة الأفضل في العالم؟
الآراء الواردة في هذا المقال مملوكة للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لميدل إيست مونيتور.


الرجاء تمكين جافا سكريبت لعرض التعليقات.