علاقات سرية: كيف توسط جيفري إبستين في صفقات بين إسرائيل والإمارات

كشفت رسائل بريد إلكتروني مسربة عن دور مثير للجدل لعالم المال المدان بالاعتداءات الجنسية، جيفري إبستين، في تسهيل لقاءات سرية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، والسيد سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية (DP World)، أحد أبرز رجال الأعمال الإماراتيين. هذه التسريبات تلقي الضوء على شبكة معقدة من العلاقات التجارية والاستخباراتية التي سبقت اتفاقيات التطبيع العلنية بين إسرائيل ودول عربية، وتثير تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات وتأثيرها على السياسة الإقليمية. جيفري إبستين لم يكن مجرد وسيط، بل يبدو أنه لعب دورًا نشطًا في تشكيل هذه العلاقات.

تفاصيل التسريبات: إبستين “اليد اليمنى”

نشر موقع Drop Site News هذه الرسائل المسربة يوم الأربعاء، والتي تؤكد العلاقة الوثيقة بين إبستين والشخصيات الإماراتية المؤثرة. وتعود جذور هذه العلاقة إلى عام 2007، أي قبل سنوات من توجيه اتهامات لإبستين بالاعتداءات الجنسية. في عام 2013، اقترح إبستين على باراك عقد اجتماع مع بن سليم، مشيرًا إلى أن الأخير هو “اليد اليمنى لمكتوم”، في إشارة واضحة إلى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ونائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقاءات متكررة وتسهيل الاستثمارات

تشير التسريبات إلى أن باراك وبن سليم التقيا عدة مرات، وكانت هذه اللقاءات مُنظمة من قبل إبستين. كما سعى إبستين إلى تسهيل استثمار بن سليم في سلسلة لوجستية إسرائيلية في يوليو 2013، وطلب رأي باراك في هذا الأمر. في ذلك الوقت، كان باراك قد ترك منصبه كوزير دفاع ونائب رئيس الوزراء، لكنه ظل شخصية مؤثرة في السياسة الإسرائيلية.

ردود فعل باراك: “استغلال المعرفة”

رد باراك على اقتراح إبستين، معربًا عن اعتقاده بأن الوقت قد يكون مبكرًا بعض الشيء للاستثمار. واقترح أن يتم تأجيله إلى ما بعد تحقيق “تقدم حقيقي في عملية السلام”، أو “بعد الثورة القادمة على أي من جانبي الحواجز في الشرق الأوسط”. ومع ذلك، أضاف باراك: “أعتقد أنه يجب علينا التفكير بجدية أكبر في كيفية استغلال هذه المعرفة”. هذا التصريح يكشف عن إدراك باراك لأهمية العلاقة مع بن سليم، ورغبته في استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية لإسرائيل. هذا يوضح كيف كان التواصل السري بين الطرفين يُنظر إليه كأداة محتملة.

موانئ دبي العالمية ودورها الإقليمي

شركة موانئ دبي العالمية (DP World)، المملوكة لإمارة دبي، توسعت بشكل كبير في الشرق الأوسط وأفريقيا بدعم من السياسة الخارجية الإماراتية. وقد ازدادت أهمية عمليات الشركة في ظل التنافس المتزايد بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في البحر الأحمر. هذا التنافس يضيف بعدًا استراتيجيًا جديدًا إلى العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، حيث يمكن أن تستفيد إسرائيل من نفوذ موانئ دبي العالمية في المنطقة.

اتفاقيات أبراهام: تتويج لعلاقات قديمة

لقد شهد عام 2020 تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، والتي انضمت إليها أيضًا المغرب والبحرين. لكن التسريبات الجديدة تكشف أن العلاقات بين الإمارات وإسرائيل كانت عميقة ومتجذرة لعقود، وأن اتفاقيات أبراهام لم تكن سوى تتويجًا لعملية سرية طويلة الأمد. هذا يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الاتفاقيات، وما إذا كانت تخدم مصالح جميع الأطراف المعنية. العلاقات الإماراتية الإسرائيلية لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت تتطور في الخفاء.

إبستين: دبلوماسي خاص ومُصلح استخباراتي

لم يكن دور إبستين مقتصرًا على تسهيل اللقاءات بين باراك وبن سليم. فقد كشفت رسائل البريد الإلكتروني المسربة أيضًا عن قيامه بأعمال أخرى تبدو وكأنها لصالح أجهزة استخباراتية، مثل ترتيب صفقة أمنية بين إسرائيل ومنغوليا، وإجراء محادثات مع روسيا حول الحرب الأهلية في سوريا. وقد كان لإبستين علاقات وثيقة بشخصيات مؤثرة في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بما في ذلك الناشر البريطاني روبرت ماكسويل، المعروف بعلاقاته مع الموساد، وليز ويكسنر، الرئيس التنفيذي لشركة فيكتوريا سيكريت، الذي ساهم في تأسيس منظمة تهدف إلى تعزيز الأصوات المؤيدة لإسرائيل في مجال الضغط والتبرعات الخيرية.

فضائح إبستين: تداعيات مستمرة

لقد عُثر على جيفري إبستين ميتًا في زنزانته في سجن بمدينة نيويورك عام 2019. ومنذ ذلك الحين، تم نشر آلاف رسائل البريد الإلكتروني الخاصة به تحت ضغط من الكونجرس الأمريكي. وقد كشفت هذه الرسائل عن العديد من الفضائح، وأثارت تساؤلات حول مدى نفوذ إبستين وعلاقاته بشخصيات بارزة في مختلف المجالات. كما كشفت عن سلوكياته غير الأخلاقية، بما في ذلك تبادله النكات الفاضحة مع بن سليم حول صديقة مشتركة. في إحدى الرسائل، كتب إبستين لبن سليم: “سمعت قصة مضحكة من امرأة كنا نعرفها معًا”. ورد بن سليم: “نعم، بعد عدة محاولات على مدى أشهر، تمكنا من اللقاء في نيويورك. هناك سوء فهم، كانت تريد بعض الأعمال التجارية! بينما أنا كنت أريد بعض المتعة!” ورد إبستين: “الحمد لله، لا يزال هناك أشخاص مثلك”.

في الختام، تكشف هذه التسريبات عن شبكة معقدة من العلاقات السرية التي كانت تربط بين إسرائيل والإمارات، والتي لعب فيها جيفري إبستين دورًا محوريًا. وتثير هذه التسريبات تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات وتأثيرها على السياسة الإقليمية، وتؤكد على أهمية الشفافية والمساءلة في العلاقات الدولية. يمكن للقراء مشاركة هذا المقال مع الآخرين للمساهمة في نشر الوعي حول هذه القضايا الهامة، وترك تعليقاتهم لمناقشة التداعيات المحتملة لهذه التسريبات.

شاركها.
Exit mobile version