تتعرض أوروبا حاليًا لما يمكن وصفه بـ “ردة فعل” سلبية، على خلفية تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على السلع الأوروبية، وذلك بعد فترة قصيرة من توقيع اتفاقية تجارية معها. هذا التطور يذكر بالوضع الذي مرت به إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الإيراني بشكل مباشر. هذه المقالة ستتناول تفاصيل هذا التصعيد، وردود الأفعال الدولية، والتشابهات التي أثارها المسؤول الإيراني.
تصعيد التجارة بين أمريكا وأوروبا: تداعيات محتملة
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على السلع المستوردة من ثماني دول أوروبية، وذلك ردًا على معارضتهم لمقترحه الطموح بالسيطرة على جرينلاند، وهي منطقة دنماركية تتمتع بحكم ذاتي. هذا التهديد جاء بعد فترة وجيزة من توقيع اتفاقية تجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يوليو الماضي، مما أثار استياءً أوروبيًا واسعًا.
رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أكدت في خطاب خاص أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن الاتحاد الأوروبي سيرد “بحزم، ووحدة، وتناسب” على أي رسوم جمركية تفرضها الولايات المتحدة. وأشارت إلى أن هذه الرسوم المقترحة تمثل “خطأً”، خاصة بين حلفاء قدامى. وأكدت فون دير لاين على أهمية الالتزام بالاتفاقيات، قائلة: “في السياسة، كما في الأعمال، الاتفاق هو اتفاق. وعندما يصافح الأصدقاء أيديهم، يجب أن يكون لذلك معنى.”
رد فعل إيران: “ردة فعل” و تذكير بالاتفاق النووي
في رد فعل لافت، انتقد وزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، موقف الاتحاد الأوروبي، واتهمه بالانتقائية في الوفاء بالاتفاقيات. وكتب عراقجي على منصة “X” (تويتر سابقًا) قائلًا: “للأسف، فإن المأزق الحالي الذي تواجهه أوروبا هو التعريف الدقيق لـ “ردة فعل”.” وأضاف: “لقد امتثل الاتحاد الأوروبي (E3/EU) بإخلاص بل وساعد الرئيس ترامب عندما أعلن انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني خلال فترة ولايته الأولى. كان عليهم أن يفكروا في اليوم الذي نعيشه هذا.”
هذا التصريح يعكس وجهة النظر الإيرانية بأن أوروبا لم تقف بحزم في وجه الضغوط الأمريكية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، مما أدى إلى تفاقم الأزمة. العلاقات الأمريكية الإيرانية شهدت توترًا كبيرًا منذ ذلك الحين، مع فرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على إيران.
تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي
في مايو 2018، أعلن الرئيس ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع إيران في يوليو 2015، بمشاركة الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة. هذا الانسحاب أدى إلى إعادة فرض العقوبات الاقتصادية التي تم رفعها بموجب الاتفاق.
في مقابل قبول إيران لتقييد برنامجها النووي المدني، تم رفع جميع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي، بما في ذلك تلك التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الانسحاب الأمريكي أدى إلى تقويض الاتفاق، وعرقلة جهود التوصل إلى حلول جديدة.
تحذيرات من انهيار النظام الدولي
عراقجي حذر من أن البديل عن الوفاء بالاتفاقيات هو “لا شيء سوى انهيار النظام الدولي”. وأضاف: “مثال على ذلك: تهديد السيد ترامب بالسيطرة على جرينلاند بأي ثمن – وهو أمر غير قانوني بموجب أي تصور للقانون الدولي أو حتى ‘نظام قائم على القواعد’ – لا يمكن أن يحدث لقارة أكثر استحقاقًا.”
هذه التصريحات جاءت في سياق تحذيرات دولية متزايدة من تراجع النظام الدولي القائم على القواعد. فقد حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من التحول نحو “عالم بلا قواعد”، بينما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن “النظام القديم لن يعود”.
تصعيد التوترات و مستقبل العلاقات
الرئيس ترامب أكد على موقفه بشأن جرينلاند، مشيرًا إلى أنه “لا رجعة فيه”. وأفاد بأنه يجري “الكثير من الاجتماعات” حول هذا الموضوع في دافوس. هذا التصعيد يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإمكانية حدوث حرب تجارية شاملة.
الوضع الحالي يذكرنا بأهمية الالتزام بالاتفاقيات الدولية، والحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد. فالانسحاب الأحادي من الاتفاقيات، والتهديدات التجارية، يمكن أن تؤدي إلى تداعيات سلبية على جميع الأطراف. التوترات التجارية المتصاعدة تتطلب حوارًا بناءً وجهودًا دبلوماسية لتجنب المزيد من التصعيد.
في الختام، يمثل الموقف الحالي اختبارًا حقيقيًا للعلاقات عبر الأطلسي، ويحمل في طياته دروسًا مهمة حول أهمية الوفاء بالعهود، وتداعيات الانسحاب من الاتفاقيات الدولية. من الضروري أن تعمل جميع الأطراف على إيجاد حلول دبلوماسية لتجنب المزيد من التصعيد، والحفاظ على الاستقرار العالمي. هل ستتعلم أوروبا من تجربة إيران، وتتبنى موقفًا أكثر حزمًا في الدفاع عن مصالحها؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

