عنف الشرطة في تونس: وفاة شاب في قيروان تثير غضب منظمات حقوق الإنسان

أثارت وفاة شاب تونسي في مدينة قيروان الشمالية، بعد إصابات بالغة في الرأس يُزعم أنها نتيجة عنف الشرطة، موجة إدانة واسعة من منظمات حقوق الإنسان. وتُعد هذه الحادثة، التي تتعلق بالشاب “نعم البريكي”، بمثابة تذكير مؤلم باستمرار مشكلة عنف الشرطة في تونس، وغياب المساءلة عن مرتكبي هذه الانتهاكات.

تفاصيل الحادثة وشهادات العائلة

في 22 نوفمبر، كان نعم البريكي، في الثلاثينيات من عمره، يقود دراجة نارية بدون وثائق رسمية عندما حاول بحسب ما ورد التهرب من نقطة تفتيش أمنية. أدى المطاردة التي تلت ذلك إلى اصطدام بمركبة شرطة، وبعد ذلك تعرض البريكي للضرب العنيف من قبل عدة ضباط، وفقًا لعائلته.

نُقل البريكي إلى المستشفى وتوفي يوم الجمعة 12 ديسمبر متأثرًا بنزيف دماغي وإصابات خطيرة في الرأس. وقد نشرت عائلته صورًا تظهر إصابات متعددة في الوجه وتورمًا كبيرًا. هذه الصور، التي انتشرت على نطاق واسع، زادت من غضب الرأي العام وأثارت تساؤلات حول ممارسات الشرطة.

إدانة واسعة من منظمات حقوق الإنسان

أصدر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (LTDH)، ومنظمات حقوقية أخرى بيانًا مشتركًا يوم الثلاثاء، أدانت فيه الحادثة بشدة. وأكد البيان أن “وفاة نعم البريكي تسلط الضوء على المآسي المتكررة المرتبطة بعنف الشرطة الممنهج، وتمثل مرة أخرى سياسة الإفلات من العقاب”.

وتُثير هذه الحادثة مخاوف متزايدة بشأن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع المواطنين أثناء عمليات التفتيش والمطاردات الأمنية.

إحصائيات مقلقة حول الوفيات نتيجة عنف الشرطة

تشير تقارير إعلامية مستقلة، مثل تقرير نشره موقع “إنكيفادا”، إلى أن 31 شخصًا لقوا حتفهم نتيجة لأعمال الشرطة منذ عام 2011، وهو العام الذي شهد انتهاء حكم الرئيس زين العابدين بن علي وانطلاق ما يُعرف بالربيع العربي.

وتشمل هذه الإحصائيات ثماني وفيات نتيجة لتفريق المظاهرات، وسبع وفيات إثر مطاردات الشرطة، وأربع وفيات نتيجة للاستخدام المفرط للقوة من قبل الضباط داخل مراكز الشرطة. ويؤكد “إنكيفادا” أن “الإفلات من العقاب لأعضاء إنفاذ القانون قد استمر على مدى العقد الماضي، وأن الإساءة المفرطة لسلطتهم أمر شائع بشكل خاص، مما يؤدي في بعض الحالات إلى القتل”.

غياب المساءلة والتحقيقات غير الفعالة

وفقًا لتقارير “إنكيفادا”، تم تقديم مئات الشكاوى ضد الشرطة بتهمة انتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب، ولم يتلقَ الضحايا تقريبًا أي محاكمة عادلة. وتتهم منظمة العفو الدولية الحكومة التونسية بإظهار “نقص في الإرادة السياسية لإجراء إصلاحات حقيقية من شأنها تحسين سلوك الشرطة وتكتيكاتها، بالإضافة إلى إنشاء رقابة قضائية على إجراءات الشرطة، مع احترام المساءلة”.

تداعيات انقلاب قيس سعيد وتأثيره على حقوق الإنسان

لقد تفاقم هذا الوضع منذ انقلاب الرئيس قيس سعيد في يوليو 2021. فمنذ ذلك الحين، قام سعيد بتفكيك جميع الضوابط والتوازنات في البلاد وقام بتنظيم قمع الأصوات المعارضة، مما أثار مخاوف المدافعين عن حقوق الإنسان من عودة “دولة الشرطة” التي ميزت عهد بن علي.

المطالبة بتحقيق شفاف وإصلاح شامل

في بيانهم المشترك حول وفاة البريكي، طالبت المنظمات غير الحكومية بإجراء تحقيق قضائي جاد وشفاف. وأكدوا على ضرورة إنهاء الإفلات من العقاب في حالات التعذيب والعنف الشرطي، وإطلاق عملية إصلاح حقيقية داخل قوات الأمن.

كما دعوا إلى عدم قمع المظاهرات الشعبية، حيث أعلنت وفاة البريكي عن اندلاع احتجاجات واسعة النطاق في وسط مدينة قيروان يوم الجمعة، مما أدى إلى عدة اعتقالات. وشهدت المظاهرات اشتباكات مع قوات الأمن، بما في ذلك إلقاء الحجارة وزجاجات المولوتوف على الوحدات الأمنية، وإقامة حواجز الطرق وحرق الإطارات، وفقًا لوسائل الإعلام المحلية.

تطورات التحقيق الجاري

بحلول مساء يوم السبت، تم اعتقال أكثر من 21 شخصًا على صلة بهذه الأحداث، قبل أن تأمر النيابة العامة بإطلاق سراح 17 شخصًا وإصدار مذكرات توقيف بحق أربعة آخرين. وأعلنت النيابة العامة يوم الاثنين عن فتح تحقيق قضائي لتوضيح ملابسات وفاة البريكي.

الخلاصة

إن قضية نعم البريكي ليست مجرد حادث فردي، بل هي جزء من نمط مقلق من العنف الشرطي وغياب المساءلة في تونس. يتطلب الوضع إجراءات عاجلة لإصلاح قوات الأمن، وتعزيز الرقابة القضائية، وضمان احترام حقوق الإنسان. من الضروري أن تتحمل الحكومة التونسية مسؤوليتها في حماية حقوق مواطنيها وضمان تحقيق العدالة في هذه الحالات المأساوية. ندعو جميع المهتمين بقضايا حقوق الإنسان إلى متابعة هذا الملف والمطالبة بتحقيق كامل وشفاف في وفاة نعم البريكي، وإلى دعم جهود منظمات المجتمع المدني في تونس.

شاركها.
Exit mobile version