في قلب سيناء، حيث تتلاقى الحكايات الدينية وتتردد أصداء التاريخ، يرتفع صدى آخر، صدى لا يقل إزعاجًا: صوت الحفر المستمر لأعمال البناء. ففي المنطقة النائية والوعرة بجنوب سيناء، أطلقت مصر مشروعًا ضخمًا يهدف إلى جذب السياحة الجماعية إلى مدينة سانت كاترين الهادئة، المدينة التي تحتضن الأديرة التاريخية وثقافة البدو العريقة. لكن هذا التحول السريع يأتي بثمن باهظ، يثير قلق خبراء التراث والسكان المحليين على حد سواء.

مشروع “التحويل العظيم” في سانت كاترين: بين التنمية والتدمير

يُعرف المشروع باسم “التحويل العظيم” أو “إظهار سانت كاترين”، وتكلفته تقارب 300 مليون دولار. يهدف إلى تحويل المدينة إلى وجهة سياحية فاخرة، من خلال بناء فنادق فخمة، ومراكز مؤتمرات، ومئات الوحدات السكنية. لكن هذا الطموح التنموي يواجه انتقادات حادة، تتهم المشروع بالتسبب في أضرار جسيمة للمحمية الطبيعية وموقع التراث العالمي لليونسكو.

تأثيرات مدمرة على الطبيعة والتراث

يشير المنتقدون إلى أن أعمال التسوية والبناء قد دمرت بالفعل أجزاء من المحمية الطبيعية الفريدة، التي تتميز بتنوعها البيولوجي النادر. كما أن المباني الجديدة، بأضوائها الساطعة وأسسها الخرسانية، تطغى على المناظر الطبيعية الخلابة للمنطقة، وتعيق رؤية المنازل التقليدية والبساتين التي كانت تميز سانت كاترين.

“سانت كاترين التي عرفناها قد ولت. الجيل القادم لن يعرف سوى هذه المباني”، هكذا عبّر مرشد سياحي مخضرم من قبيلة الجبالية، بينما يحوم فندق خمس نجوم فوق رأسه، وتغطي أصوات الجرافات على تغريد الطيور. وقد طلب المرشد، مثل العديد من الذين تحدثت إليهم وكالة الأنباء الفرنسية، عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام.

صوت الخبراء: تشويه وتدمير

يصف جون غراينجر، المدير السابق لمشروع محمية سانت كاترين التابع للاتحاد الأوروبي، ما يحدث بأنه “تشويه وتدمير” للموقع. ويؤكد أن المشروع لا يحترم القيمة التاريخية والطبيعية الفريدة للمنطقة. وفي يوليو الماضي، حثت منظمة “World Heritage Watch” اليونسكو على إدراج المنطقة في قائمة مواقع التراث العالمي المهددة بالخطر.

قضية الدير: صراع على الأرض والهوية

لا يقتصر القلق على الأضرار التي تلحق بالمحمية الطبيعية، بل يمتد ليشمل مستقبل دير سانت كاترين نفسه، أقدم دير مسيحي عامل في العالم. ففي مايو الماضي، قضت محكمة مصرية بأن الدير يقع على أرض مملوكة للدولة، وأن الرهبان الأرثوذكس اليونانيين “مسموح لهم باستخدامها” فقط.

هذا الحكم أثار جدلاً دبلوماسيًا مع اليونان، وغضبًا واسعًا من الكنائس الأرثوذكسية. ويخشى المنتقدون أن يترك هذا الحكم الدير في قبضة السلطات، ويعرض بقاءه للخطر. وفي سبتمبر الماضي، استقال رئيس أساقفة سانت كاترين، في أعقاب ما وصف بأنه “تمرد غير مسبوق”.

مخاوف البدو: فقدان الأرض والسبل

قبيلة الجبالية، التي تعيش في المنطقة منذ 1500 عام، وتنتسب إلى الجنود الرومان الذين جاءوا لحراسة الدير، هي الأكثر تضررًا من المشروع. فقد اعتادت القبيلة على توفير خدمات الإرشاد السياحي للزوار، وتعتمد على السياحة كمصدر رئيسي للرزق.

لكن مع بناء الفنادق والمرافق السياحية الجديدة، يخشى أفراد القبيلة من فقدان أراضيهم، وتهميشهم في عملية التنمية. “لا أحد يعرف ما الذي سيحدث غدًا. ربما يطلبون منا المغادرة، ويقولون إنهم لا يجدون لنا مكانًا”، هكذا عبر المرشد السياحي عن قلقه.

تدمير المقابر القديمة

في عام 2022، قامت الجرافات بتسوية مقبرة المدينة القديمة، التي يعود تاريخها إلى قرون مضت، مما أجبر السكان على نبش مئات الجثث. “جاءوا ذات يوم دون سابق إنذار ودمروا مقبرتنا”، قال المرشد السياحي. المقبرة تحولت الآن إلى موقف سيارات.

وعود حكومية مقابل واقع مُر

يرد المسؤولون الحكوميون على هذه الانتقادات بالتأكيد على الفوائد الاقتصادية للمشروع، ويقولون إن القرارات اتُخذت بالتشاور مع المجتمع المحلي. لكن السكان المحليين يؤكدون أن مخاوفهم قد تم تجاهلها.

هل ستكون الفنادق ممتلئة؟

حتى داخل الحكومة، هناك من يشكك في جدوى المشروع. “هل ستكون هذه الفنادق ممتلئة؟ هذا هو السؤال الحقيقي، لكننا لا نستطيع قول أي شيء”، هكذا قال مسؤول محلي ضاحكًا، وهو يشير إلى فندق خمس نجوم قيد الإنشاء بالقرب من الدير.

فبعد موجة الاحتجاجات من قبل خبراء الحفاظ على البيئة، طلبت اليونسكو في عام 2023 من مصر “وقف تنفيذ أي مشاريع تطوير إضافية”، وإجراء تقييم للأثر البيئي، ووضع خطة للحفاظ على الموقع. لكن أعمال البناء استمرت دون هوادة، وأعلنت الحكومة في يناير الماضي أن المشروع قد اكتمل بنسبة 90%. سانت كاترين اليوم، تشهد تحولًا جذريًا، يثير تساؤلات حول مستقبل التراث والطبيعة في هذه المنطقة المقدسة. تطوير سيناء يجب أن يتم بحذر ومراعاة لحقوق السكان المحليين والحفاظ على الهوية الثقافية الفريدة للمنطقة. السياحة المستدامة هي الحل الأمثل لضمان مستقبل مزدهر لسانت كاترين، دون المساس بقيمتها التاريخية والطبيعية.

شاركها.
Exit mobile version