تم الانتهاء من جولة “إيجابية” من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في باريس يوم الثلاثاء، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، وذلك وفقًا لمسؤولين من كلا الجانبين. تأتي هذه المحادثات، التي ترعاها الولايات المتحدة، في ظل تعقيدات جيوسياسية كبيرة وتوترات مستمرة في المنطقة، وتسعى إلى إعادة إحياء مساعي السلام القديمة. هذه التطورات تثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين البلدين، خاصةً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، وقضايا اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل تشكل محور النقاش.
جولة باريس: تقدم نحو اتفاق أمني تاريخي؟
اختتمت وفود من سوريا وإسرائيل، اللتين لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية، الجولة الخامسة من المحادثات التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس. وذكر مسؤول إسرائيلي لصحيفة Axios أن “المباحثات كانت إيجابية”، مشيرًا إلى “رغبة الطرفين في التوصل إلى اتفاق أمني يتماشى مع رؤية الرئيس ترامب للشرق الأوسط”. ويعكس هذا التصريح سعي الإدارة الأمريكية السابقة إلى تحقيق اختراقات في هذا الملف، وربطه بملف التسوية الإقليمية الأوسع. تم الاتفاق خلال الجولة على عقد اجتماعات أكثر تكرارًا واتخاذ “إجراءات بناء الثقة”، مما يشير إلى وجود رغبة حقيقية في استكشاف إمكانية التوصل إلى تفاهمات.
الوفود المشاركة ودلالات التشكيلة
تضمنت الوفود رفيعة المستوى شخصيات رئيسية من كلا البلدين. مثّل الجانب الإسرائيلي السفير لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، والمستشار الفني للأمن القومي، جيل ريخ. أما الجانب السوري فشارك به وزير الخارجية، عاصد الشيباني، ورئيس المخابرات، حسين سلامة. وكانت مشاركة مبعوث الولايات المتحدة الخاص لسوريا، توم باراك، ومستشاري الرئيس، ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، بمثابة إشارة قوية إلى الدعم الأمريكي لهذه المساعي. بالإضافة إلى ذلك، حضر الملحق العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي، رومان جوفمان، المحادثات.
خلفية المفاوضات: الجولان والاتفاقيات السابقة
تأتي هذه المفاوضات في سياق تاريخي معقد. فقد احتلت إسرائيل الجولان السوري عام 1967، وهو ما يعتبر انتهاكًا للقانون الدولي. وفي أعقاب تدهور الأوضاع في سوريا وسقوط حكومة بشار الأسد (جزئيًا)، وسّعت إسرائيل نفوذها في جنوب سوريا. وفي ديسمبر 2024، قامت بالسيطرة على كامل المنطقة المنزوعة السلاح التي كانت تخضع لإشراف الأمم المتحدة في جبل الشيخ، والتي كانت تفصل سابقًا بين القوات الإسرائيلية والسورية.
وفي هذا الإطار، أكدت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن سوريا تسعى إلى ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من المواقع التي احتلتها قبل 8 ديسمبر 2024، كجزء من اتفاق أمني متبادل يضمن السيادة السورية الكاملة.
رؤية ترامب والضغط الأمريكي
تشير التقارير إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد عبّر بشكل قاطع خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا في ديسمبر الماضي، عن رغبته في تحقيق تقدم ملموس نحو اتفاق. ويبدو أن الإدارة الأمريكية ربطت ملف سوريا بشكل عام، ومفاوضات الجولان بشكل خاص، برؤيتها الشاملة للشرق الأوسط، والتي تضمنت تحسين العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.
إحياء اتفاقية الفصل لعام 1974
تتركز جزء كبير من المفاوضات حول إمكانية إحياء اتفاقية الفصل التي تم التوصل إليها عام 1974، والتي أسست منطقة منزوعة السلاح خاضعة لإشراف الأمم المتحدة بين إسرائيل وسوريا بعد حرب 1973. يهدف ذلك إلى إعادة بناء الثقة وتجنب التصعيد المحتمل في المنطقة. في حين أن إحياء هذه الاتفاقية قد يبدو أمرًا صعبًا في ظل التطورات الأخيرة، إلا أن المفاوضات الجارية تشير إلى وجود إرادة سياسية لاستكشاف هذه الإمكانية. العلاقات السورية الإسرائيلية شهدت فترات من التوتر والهدوء، واتفاقية 1974 تمثل فترة من الهدوء النسبي.
التحديات المستقبلية ومسار المفاوضات
على الرغم من التفاؤل الحذر الذي يسود جولة المحادثات الأخيرة، إلا أن العديد من التحديات لا تزال قائمة. قضية الجولان، على وجه الخصوص، تعتبر نقطة خلاف رئيسية، حيث تصر سوريا على حقها في استعادة كامل أراضيها المحتلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الوضع السياسي المعقد في سوريا، والانقسامات الداخلية والخارجية، يمكن أن يعيق عملية التفاوض.
ومع ذلك، فإن استمرار الحوار واتخاذ “إجراءات بناء الثقة” يمثل خطوة إيجابية نحو تهدئة التوترات وتحسين الأمن الإقليمي. من المتوقع أن تستمر المفاوضات في المستقبل القريب، مدفوعة بالرغبة المشتركة في تجنب الصراع وإيجاد حلول دبلوماسية. تبقى متابعة التطورات على الأرض، وتصريحات المسؤولين، أمرًا بالغ الأهمية لفهم المسار الذي ستسلكه هذه المفاوضات الحساسة.
في الختام، تمثل جولة المفاوضات الأخيرة بين سوريا وإسرائيل في باريس تطورًا ملحوظًا في سياق الجهود الدبلوماسية لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة. على الرغم من التحديات الكبيرة، إلا أن استمرار الحوار والرغبة في التوصل إلى اتفاق أمني يشكلان بارقة أمل في مستقبل أفضل. نأمل أن تؤدي هذه المفاوضات إلى حلول مستدامة تضمن الأمن والازدهار لكلا البلدين، وتعزز الاستقرار الإقليمي. تابعوا آخر التطورات حول هذا الموضوع المهم.

