توترات متصاعدة في إسرائيل: حماية جنديتين وشرارة انقسام مجتمعي
شهدت مدينة بني براك بالقرب من تل أبيب مواجهة خطيرة، حيث اضطرت جنديتان إسرائيليتان إلى طلب الحماية بعد مطاردتهما من قبل حشد ضخم من الرجال اليهود المتشددين. التقطت مقاطع فيديو صادمة لحظات فرار الجنديتين وسط شوارع مليئة بالقمامة وصناديق القمامة المقلوبة، بينما كان حراس يحيطون بهما في مواجهة مع مئات الرجال الملتحين والمشذّبين باللونين الأبيض والأسود، وهم يهتفون ويلاحقونهم. هذه الحادثة تسلط الضوء مجددًا على الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بقضية التجنيد العسكري.
تفاصيل الواقعة وتداعياتها
كانت الجنديتان، وهما قائمتان في فيلق التعليم والشباب بالجيش الإسرائيلي، في زيارة منزلية رسمية لأحد المجندين قبل انضمامه إلى وحدتهما. لكن هذه الزيارة تحولت إلى مشهد فوضوي عنيف. أثارت الحادثة موجة من ردود الفعل، حيث وصف الأكاديمي الإسرائيلي شائيل بن إفرايم، عبر منصة “إكس”، المشهد بأنه “جنون مطلق”، مؤكداً أن “المجتمع الإسرائيلي يتفكك”.
ويعكس هذا الحادث تصاعد التوترات حول الخدمة العسكرية الإلزامية، خاصة في ظل الحرب المستمرة في غزة والحاجة المتزايدة إلى التجنيد. ففي حين يتزايد العسكرة لدى الإسرائيليين العلمانيين ورغبتهم في إجبار الحريديم (اليهود المتشددين) على الخدمة، يظل رفض الأخيرة للتجنيد قوياً، مما يزيد من ابتعادهم عن الدولة التي يرونها “غير شرعية” و”خيانة للدين”.
انقسام حول التجنيد الإجباري
يشكل اليهود المتشددون، أو الحريديم، حوالي 15% من السكان اليهود في إسرائيل، وهم من أسرع المجموعات السكانية نمواً. لطالما رفض هؤلاء الخدمة العسكرية، ويعتمد الكثير منهم على الدعم الحكومي لدراسة النصوص الدينية.
قضية تجنيد الحريديم أصبحت نقطة خلاف رئيسية في الحكومة الإسرائيلية. حزبان يمثلان هذا المجتمع، وهما “يهودية التوراة المتحد” (UTJ) و”شاس”، كانا جزءاً من حكومة نتنياهو. إلا أن التوترات الأخيرة حول التجنيد أجبرت هذين الحزبين على “الاستقالة الجزئية” من الائتلاف.
من جهة أخرى، هناك مجموعات متشددة أخرى، مثل “ناطوري كارتا”، ترفض أي دور في الدولة الإسرائيلية ككل.
نتنياهو يرد على الحادثة
على الرغم من وصف نتنياهو هذه المظاهرة بأنها “أقلية متطرفة لا تمثل مجتمع الحريديم بأكمله”، إلا أن مقاطع الفيديو من المواجهة بدت وكأنها تشير إلى دعم مجتمعي واسع للحريديم، الذين شوهدوا وهم يقلبون سيارة شرطة وسط هتافات. وقد أدت المواجهات إلى إصابة ثلاثة من ضباط الشرطة الإسرائيلية.
قوات الشرطة الإسرائيلية استخدمت قنابل صوتية لتفريق الحشد، واعتقلت ما لا يقل عن 23 شخصاً، وفقاً لتقارير إعلامية إسرائيلية.
أصل القضية: الجدل حول التجنيد
يطالب الإسرائيليون العلمانيون، من مختلف الأحزاب السياسية، بضرورة إلزام اليهود المتشددين بالخدمة العسكرية أسوة بباقي المواطنين اليهود.
تعد قضية تجنيد الحريديم قضية معقدة في المجتمع الإسرائيلي منذ سنوات طويلة. فمع تأسيس الدولة عام 1948، منح رئيس الوزراء الأول، ديفيد بن غوريون، إعفاءً من الخدمة العسكرية لليهود المتشددين، لكن هذا الإعفاء لم يُكرّس كقانون.
منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ جدل عام حول مسألة تجنيد الحريديم، وشهدت السنوات اللاحقة محاولات عديدة غير ناجحة لسن قوانين تنظم هذه القضية.
بدء “الإبادة الجماعية” في غزة وتجنيد مئات الآلاف من الإسرائيليين للمشاركة فيها، أشعل نقاشاً حاداً حول مسألة التجنيد الإجباري لليهود المتشددين. فشلت حكومة نتنياهو في ترسيخ الإعفاء من التجنيد نتيجة لمعارضة شعبية واسعة، شملت حتى بعض الجهات داخل ائتلافه.
وفي يونيو 2024، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بإمكانية تجنيدهم، مما أدى إلى معارضة واسعة النطاق من مجتمع الحريديم.
خاتمة
تكشف حادثة بني براك عن عمق الانقسام المجتمعي والإشكالات السياسية المتجذرة في إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالخدمة العسكرية. مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، يبدو أن هذه القضية ستظل مركز توتر وصراع، وتحدياً حقيقياً لمستقبل النسيج الاجتماعي الإسرائيلي. إن فهم طبيعة هذا الصراع، ودوافعه، وتداعياته، أمر ضروري لفهم الديناميكيات المعقدة داخل إسرائيل.


