فشل فيلم “الست”: قصة نجمة لم تُروَ بلغة الجماهير

كان من المفترض أن يكون فيلم “الست” هو حدث العام السينمائي، سيرة ذاتية لأيقونة الغناء العربي أم كلثوم، من إخراج مروان حامد، ومن كتابة أحمد مراد. أُنتج الفيلم بميزانية ضخمة، ليكون تتويجًا لتعاون بين شركتي إنتاج كبيرتين. ولكن، بعد أسابيع من عرضه، تبين أن “الست” لم يحقق التوقعات، بل تحول إلى “فشل كبير” في شباك التذاكر، ومحور للجدل والانتقادات، مما يطرح تساؤلات حول رؤية الجمهور للأيقونات الفنية ومدى تقبله للتأثيرات الخارجية في صناعة الترفيه.

طموحات ضخمة وتوقعات عالية

تصور صناع فيلم “الست” أن يقدموا عملًا ضخمًا لتعريف جيل جديد بأم كلثوم، “الست”، الفنانة الغامضة التي أسرت قلوب الملايين. استثمرت شركة “سينرجي” المصرية، الكبرى في مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، بالتعاون مع “Big Time Studio” التي يرأسها تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية، ما يقارب 8 ملايين دولار، بخلاف تكاليف التسويق.

ضم الفيلم كوكبة من نجوم الصف الأول في مصر، وكان من المتوقع أن يحطم الفيلم الأرقام القياسية في شباك التذاكر. لكن، الواقع كان مختلفًا تمامًا، حيث حقق الفيلم أقل من مليوني دولار بعد ثمانية أسابيع من عرضه الواسع في مصر والمنطقة، وهو ما اعتبره الكثيرون “فشلًا مدويًا”.

حملة انتقادات وجدل في مصر

لم يقتصر الأمر على الخيبة التجارية، بل واجه فيلم “الست” عاصفة من الجدل في مصر. اتهم النقاد والمثقفون الفيلم بتشويه صورة أم كلثوم، واصفين أداء الممثلة منى زكي بأنه وإن كان جيدًا، إلا أن النص الذي كتبه أحمد مراد لم يوفق في تقديم صورة متكاملة أو تحليلات عميقة.

تباينت الآراء النقدية، ولكن الاستقبال الشعبي كان في غالبيته “سلبيًا وعدائيًا”. يرى البعض أن هذا الفشل يعكس رفض المصريين لأي محاولة لتقديم صورة غير “منقحة” لأيقوناتهم الوطنية، ويعتبره الآخرون مؤشرًا على تزايد الرفض الشعبي للتأثير السعودي المتنامي في صناعة الترفيه المصرية.

نظرة عامة على بداية الفيلم

يبدأ الفيلم رحلته في باريس، قبيل حفل أم كلثوم الأسطوري عام 1967، وهو عرضها الوحيد خارج العالم العربي. المشهد الافتتاحي، الذي صورته أجواء مسرح “لأولمبيا” المشحونة بالتوتر بعد هزيمة يونيو 1967، كان محاولة لإظهار قوة “الست” وقدرتها على تجاوز الظروف السياسية.

تظهر منى زكي بشخصية السيدة أم كلثوم، في ستينيات عمرها، ببرود وثقة. ترفض طلب مدير المسرح بالابتعاد عن السياسة، لتؤكد على رسالتها الفنية. تبدأ بأداء أغنية “انت عمري” لتنهار فجأة على المسرح، ليكون هذا بمثابة نهاية الجزء الأول من الفيلم، وبداية “الانحدار” الدرامي.

غياب الأيديولوجيا وعمق الطرح

يسرد الفيلم قصة أم كلثوم بترتيب زمني، مع قفزات متقطعة وغير مبررة إلى حفل باريس. يتبع النص رحلة أم كلثوم من بداياتها المتواضعة في الريف، حيث كان والدها يخفي جنسها خوفًا من الفضيحة، إلى نجمة ساطعة في القاهرة.

لكن، يفتقر الفيلم إلى معالجة القضايا الشائكة في حياة أم كلثوم. يتجاهل الفيلم، على سبيل المثال، فكرة “التأنيث” المبكرة في حياة أم كلثوم، ويفضل تقديمها كأيقونة نسوية تتجاوز الرجال من حولها. ومع ذلك، فإن هذا الطرح النسوي يتبخر في سياق “إنتاج هوليوودي” يفتقر إلى رؤية واضحة، ليتحول السعي وراء “التمكين” إلى مجرد صفقات تجارية وسيطرة على فرقتها الموسيقية.

مقارنات مع أعمال سابقة

فيلم “الست” ليس أول عمل فني يتناول سيرة أم كلثوم. فقد سبقته أعمال درامية مثل المسلسل التلفزيوني الناجح عام 1999، وفيلم “كوكب الشرق” الذي لم يحقق نجاحًا تجاريًا. كما قدمت المخرجة شيرين نشأت في عام 2017 فيلم “البحث عن أم كلثوم”.

تميزت هذه الأعمال، خاصة المصرية منها، بالتبجيل الشديد وتقديم صورة “هجرافية” لأم كلثوم، تلبي رغبات الجمهور في رؤية مثالية لأيقونتهم. وقد افتقر مروان حامد وأحمد مراد، وهما من أبرز صناع السينما المصرية، إلى تقديم رؤية جديدة أو مختلفة، مما يثير التساؤل حول جدوى إنتاج مثل هذا العمل إذا لم يقدم شيئًا مبتكرًا.

موسيقى الست: غياب الهالة السحرية

من أكثر الجوانب إثارة للاستغراب وخيبة الأمل في فيلم “الست” هو تناوله الموسيقى. لم يقدم الفيلم أي تحليل أو تأمل في العناصر التي جعلت موسيقى أم كلثوم فريدة ومتسامية. الابتكارات الموسيقية، والخروج عن تقاليد المقام العربي، والأداء الصوتي الاستثنائي، كلها أمور غابت عن الفيلم.

بدلاً من التركيز على جوهر فنها، اقتصرا الفيلم على قوتها الصوتية، وبدا الفيلم التجاري السريع، الذي يعتمد على الإبهار البصري، عاجزًا عن خلق مساحة للتأمل في الموسيقى. يبدو أن هناك “عدم تطابق” بين الرؤية الإخراجية والموضوع، أو بعبارة أخرى، بين المخرج والموضوع.

رفض التأثير السعودي

لعل السبب الأبرز لفشل فيلم “الست” في مصر، والذي يتجاوز الأخطاء الفنية والدرامية، هو “عدم ثقة” الجمهور المصري المتزايد في النفوذ السعودي المتنامي في صناعة الترفيه.

واجه الفيلم انتقادات محافظون هاجموا تصويرها وهي تدخن، واعتبروا سيطرتها المهنية “غير لائقة”. بينما فسر آخرون تركيزها على المال “بالبخل”. وعلى الرغم من أن السيناريو والكتابة كانا مصريين بحت، إلا أن ربط الفيلم بـ “تركي آل الشيخ” جعل منه هدفًا للانتقادات.

تم وصف الفيلم من قبل البعض بأنه “عمل تخريبي يستهدف رموز مصر”. ورد الإعلاميون المصريون، الذين يبثون على قنوات سعودية، بالدفاع عن الفيلم، مشددين على أن دور “Big Time” كان اقتصارًا على التمويل المشترك، وأن شركة “سينرجي” المصرية، المرتبطة بالنظام الحاكم، هي الشريك الرئيسي.

لكن هذه الحقائق لم تقنع المنتقدين، الذين فضلوا توجيه اللوم إلى الجانب السعودي، الذي أصبح شخصية “كيان” في الوعي المصري، بسبب قضايا أخرى مثل الاستحواذ على نادي بيراميدز، وتهديد المواهب المصرية، وتنظيم موسم الرياض.

الخلاصة: قصة مصرية عن الهوية والثقة

رفض الجمهور المصري لفيلم “الست” ليس بالضرورة بسبب جودته الفنية المنخفضة، فالسوق المصري اعتاد على نجاح أعمال قد لا تكون ذات جودة عالية. بدلًا من ذلك، يعكس هذا الرفض شعورًا بالضيق من الاعتماد المتزايد على “الممولين” الخارجيين، وهو ما يرتبط بالسياسات الاقتصادية المصرية.

يشبه رد الفعل هذا الهجوم على مسلسل “كليوباترا” الذي قدمته نتفليكس. ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يبدو أن الشعب المصري يجد عزاءه في تاريخه العريق ورموزه الوطنية. ربما حاول الفيلم تقديم صورة أكثر واقعية وكشف “المرأة خلف الأسطورة”، لكنه في النهاية قدم “امرأة” لم تتجاوز علاقاتها العاطفية وذكائها التجاري، وهو ما ربما أشعل غضب الجمهور المصري الذي يشعر بالقلق المتزايد تجاه النفوذ السعودي غير المرحب به.

عرض فيلم “الست” لأول مرة في أوروبا ضمن مهرجان روتردام السينمائي الدولي.

شاركها.
Exit mobile version