إن قصة عمي العميد حسن محمد مصطفى العجرمي، ليست مجرد قصة بطولة فردية، بل إنها ملحمة منسوجة في نسيج نضال فلسطين الدائم من أجل التحرير. وُلِد عمي في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1951، وسط الواقع القاسي لمخيم جباليا للاجئين، وكانت السنوات الأولى لعمي غارقة في الإرث المرير الذي خلفته عائلته في التهجير القسري من بئر السبع في عام 1948. ولم تكن رحلتهم إلى المنفى خيارًا بل خيارًا. الضرورة، حيث كان شبح الإكراه المسلح يلوح في الأفق، مما ألقى بظلاله على حياتهم الهادئة ذات يوم وأجبرهم على البحث عن ملجأ وسط خراب مخيمات اللاجئين في غزة.

على الرغم من الشدائد التي تغلغلت في محيطه، ظلت روح عمي غير منكسرة، وعزمه لا ينضب في مواجهة الصعاب الساحقة. لقد وجد ملاذا له وسط الفوضى داخل حدود مدارس الأونروا وبعد ذلك في مدرسة الفالوجة الثانوية للبنين، وكان تعطشه للمعرفة بمثابة منارة للأمل وسط ظلام الاحتلال الزاحف.

ومع ذلك، لم تكن المساعي الأكاديمية فقط هي التي شغلت أفكار عمي خلال سنوات تكوينه؛ لقد كانت نداء المقاومة الواضح هو الذي دعاه. في عام 1969، عندما كان عمره 18 عامًا، استجاب لنداء منظمة التحرير الفلسطينية، وتعهد بالولاء لقضية حرية فلسطين، وشرع في رحلة ستغير مسار حياته إلى الأبد.

ولم يمر قراره بالانضمام إلى صفوف المقاومة مرور الكرام على قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي اعتبرته تهديدا لهيمنتها على الأراضي المحتلة. وهكذا بدأت لعبة القط والفأر التي لا هوادة فيها، حيث اضطر عمي ورفاقه إلى التنقل في تضاريس الاحتلال الغادرة وسط التهديد المستمر بالاعتقال أو التعذيب أو ما هو أسوأ.

اقرأ: حماس تطلب تدخل المحكمة الجنائية الدولية بعد فيديو الإعدام الإسرائيلي الأخير

ومع ذلك، وفي بوتقة الصراع، تم اختبار همة عمي وتبين أنها غير قابلة للكسر. لقد خاض مع إخوته صراعًا شجاعًا ضد قوى القمع، ونجح في إنشاء جيوب للمقاومة وسط مشهد مخيمات اللاجئين في غزة. برزت أوائل السبعينيات كعصر ذهبي في سجلات المقاومة الفلسطينية، حيث كان عمي في طليعته، يقود الهجوم ضد مد الاحتلال الزاحف بتصميم لا يتزعزع وعزم لا يتزعزع.

ومع تصاعد الضغوط وتضييق شبكة الاحتلال، وجد الكثيرون، بمن فيهم عمي، أنفسهم مضطرين إلى البحث عن ملاذ خارج حدود غزة. لقد قدم الأردن فترة راحة من الملاحقة المتواصلة لمضطهديهم، ووفر راحة مؤقتة من دائرة العنف والقمع التي لا هوادة فيها.

ومع ذلك، فإن المنفى لم يفعل الكثير لتهدئة حماس عمي للقضية. وإذا كان هناك أي شيء، فهو لم يؤدي إلا إلى تعزيز التزامه بتحرير فلسطين، حيث قدم خبرته للنضال في مسرح جديد للصراع. لقد وفرت اضطرابات الحرب الأهلية اللبنانية الخلفية للفصل التالي من المقاومة لعمي، حيث وقف هو ورفاقه كحصون ضد مد القمع، ودافعوا عن قدسية المخيمات الفلسطينية وسط فوضى الصراع.

وفي خضم بوتقة الحرب برزت الصفات القيادية التي يتمتع بها عمي، مما أكسبه احترام وإعجاب أقرانه. ولم يكن تفانيه في سبيل القضية يقابله إلا تعطشه للمعرفة، حيث تابع تعليمه العسكري داخل القاعات المقدسة في الكلية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. تخرج بامتياز في عام 1979، وشرع في رحلة لتحسين الذات، حيث التحق بدورات إضافية على المستوى الدولي، من التضاريس الوعرة في بلغاريا إلى الغابات الحضرية في كوبا.

لقد بشر فجر عهد جديد بعودة عمي إلى وطنه، حيث خطت السلطة الوطنية الفلسطينية أولى خطواتها المبدئية نحو السيادة. بتفانيه المميز، تولى أدوارًا مختلفة داخل قوة الشرطة الفلسطينية، وخدم بامتياز حتى تقاعده في عام 2008. بما في ذلك:

– مدير مركز شرطة بيت حانون

– مدير مركز شرطة جباليا

– مدير مركز شرطة بيت لاهيا

– مدير مركز شرطة النصيرات

– مدير إدارة الطوارئ

– مدير شرطة الحدود

بعد التقاعد، ظل التزام عمي بالقضية غير منقوص، حيث انتقل بسلاسة إلى دور المحامي القانوني، الذي دافع عن حقوق شباب غزة بنفس الحماس الذي ميز مسيرته العسكرية. أثناء عمله في الشرطة الفلسطينية، وعندما بلغ من العمر 52 عاماً، عزم على استكمال دراسته الجامعية مع أبنائه. التحق بكلية الحقوق بجامعة الأزهر بغزة وتخرج منها عام 2007.

ومع ذلك، في ظل الخلفية القاتمة للعدوان الإسرائيلي، وصلت رحلة العجرمي إلى نهايتها المؤثرة. في 11 مارس/آذار 2024 – أول أيام شهر رمضان – وبينما كانت السماء فوق غزة مظلمة بدخان الصراع، لفظ العجرمي أنفاسه الأخيرة، وأصيب بنوبة قلبية، وتم نقله إلى مستشفى غزة الأوروبي شرق رفح. وأخيراً وجدت روحه الراحة من تجارب ومحن حياته التي كرسها لقضية فلسطين.

في الموت، كما في الحياة، يقف العميد حسن العجرمي رمزاً شاهقاً للصمود والتحدي، ومنارة أمل وسط ظلال القمع الزاحفة. ويظل إرثه بمثابة شهادة على روح الشعب الفلسطيني التي لا تنضب، وهو تذكير بأنه حتى في أحلك الأوقات، فإن شعلة المقاومة مشتعلة إلى الأبد.

وعلى هذا النحو، انخرط عمي في مواجهات مختلفة ضد إسرائيل في مواقع ولحظات مختلفة. وفي نهاية المطاف، توفي إثر نوبة قلبية، بعد رحلة اتسمت بالنزوح والتي أخذته عبر مخيم النصيرات للاجئين، قرية دير البلح، حيث كانت مدينة رفح هي وجهته النهائية.

إقرأ أيضاً: رئيس الأركان السابق: نتنياهو يقود إسرائيل من السيئ إلى الأسوأ

الآراء الواردة في هذا المقال مملوكة للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لميدل إيست مونيتور.

الرجاء تمكين جافا سكريبت لعرض التعليقات.

شاركها.
Exit mobile version