فوضى عارمة في مخيم الهول: آلاف النساء والأطفال يفرون في ظل انسحاب القوات الكردية
شهد مخيم الهول السوري، الذي كان يؤوي آلاف النساء والأطفال المرتبطين بمقاتلي تنظيم داعش، مشاهد من “الفوضى العارمة” الشهر الماضي. جاء ذلك عقب انسحاب مفاجئ للقوات الكردية، مما سمح لآلاف من أفراد عائلات الجهاديين بالفرار إلى وجهات مجهولة. أفاد شهود عيان لوكالة فرانس برس بأن المخيم، الذي كان يعد الأكبر من نوعه لأقارب المشتبه بهم في شمال شرق سوريا، أصبح شبه مهجور بعد قرار الحكومة السورية بإخلائه.
انهيار الأمن في مخيم الهول
قبل وقت قريب، كان مخيم الهول يضم 23,500 شخص، معظمهم من النساء والأطفال من جنسيات سورية وعراقية، بالإضافة إلى نحو 6,000 أجنبي من حوالي 40 دولة في جناح مخصص عالي الأمان. كان المخيم تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة كردية، وذلك منذ الهزيمة الإقليمية لتنظيم داعش.
ولكن في 20 يناير، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية بسرعة من المخيم، وسط ضغوط من القوات الحكومية السورية التي كانت تستعيد السيطرة على أجزاء من شمال البلاد. أكدت قوى الأمن السورية أنها تولت السيطرة بعد ست ساعات.
شهادات من قلب الفوضى
وصف صلاح محمود الحافظ، أحد سكان قرية الهول المجاورة، الوضع بأنه “فوضى عارمة” فور انسحاب قوات قسد. وأضاف: “انسحبت قسد، وحضر السكان المحليون وأفراد القبائل. سيارات حُمّلت بالناس وانطلقت”. وأشار إلى أن المخيم “بقي بدون سيطرة أمنية لمدة ثلاث ساعات”.
ترك خلفهم كل شيء
انتشرت في ممرات المخيم الفارغة أكياس القمامة، وامتدت الخيام البيضاء على مرمى البصر. ألعاب أطفال ودراجات ثلاثية العجلات هُجرت في جناح الأجانب. كما ترك وراءهم ملابس، ودفاتر، وحتى طعام، مما يدل على مغادرة سريعة وغير منظمة.
مسؤولية انسحاب قسد
أفادت السلطات السورية بتأكيد عمليات هروب جماعي من المخيم، متهمة قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب “بشكل مفاجئ، دون تنسيق ودون إبلاغ”. من جانبها، ردت قسد بأن انسحابها كان “نتيجة مباشرة للهجوم العسكري… الذي استهدف المخيم ومحيطه من قبل قوات تابعة لدمشق”. كما أشارت قسد إلى أن العائلات فرت بعد سيطرة القوات السورية على المخيم.
قال أحد السكان المحليين، وهو مرصف العليان، أن “دخول الدولة أعطى الناس الخيار للبقاء أو الرحيل”. وأوضح مزارع يبلغ من العمر 43 عامًا ويعيش بجوار المخيم، أنه بعد مغادرة القوات الكردية، “أتت سيارات، حُمّلت العائلات، وغادرت”. وأضاف أنه رأى رجالاً “يرتدون زيًا عسكرياً مموهًا” بين الذين نقلوا العائلات.
خطر على النساء والأطفال
الجناح المخصص للأجانب كان يضم عددًا كبيرًا من الأشخاص من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك روسيا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. وفي حين لا يزال مصير من غادروا المخيم مجهولاً، أشارت تقارير إلى أن مدرسين في إدلب، شمال غرب سوريا، أفادوا بأن عدة أطفال من أوزبكستان سجلوا في مدارسهم منذ أواخر يناير.
حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها من أن مغادرة العديد من المقيمين في مخيم الهول “تمت بطريقة غير مخططة وفوضوية إلى حد كبير”. وأضاف التقرير: “الطريقة التي سارت بها هذه المغادرات عرّضت النساء والأطفال لمخاطر جسيمة، بما في ذلك الاتجار بالبشر، والاستغلال، والتجنيد من قبل جماعات مسلحة”.
معضلة إعادة المواطنين
لا تزال القوات الكردية تسيطر على مخيم روج الأصغر في شمال شرق سوريا، حيث يحتجز أقارب آخرون لمقاتلي داعش الأجانب، بمن فيهم غربيون. دعت الأكراد مرارًا الدول إلى استعادة مواطنيها، لكن عددًا قليلاً فعل ذلك، خوفًا من التهديدات الأمنية وردود فعل سياسية داخلية.
حسب آدم كوغل، مساعد مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “لسنوات، ادعت العديد من الحكومات أن صعوبة التفاوض مع جهة غير حكومية مسؤولة عن المخيمات هي السبب في عدم استعادة مواطنيها، ولكن الآن لن ينفع هذا العذر”.
تبعات انسحاب القوات الكردية
يشير ما حدث في مخيم الهول إلى هشاشة الوضع الأمني في شمال شرق سوريا، خاصة في ظل التحولات السياسية والدبلوماسية السريعة. انسحاب القوات الكردية المفاجئ، وما تلاه من فوضى، يسلط الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجهها المنطقة في التعامل مع تداعيات تنظيم داعش.
إن غياب الأمن المنظم والضوابط اللازمة في مخيم بهذا الحجم يفتح الباب أمام مخاطر جمة، ليس فقط على الأمن الإقليمي، بل على مصير آلاف النساء والأطفال الذين باتوا عرضة للاستغلال والتشرد.
خاتمة
تُلقي أحداث مخيم الهول بظلال قاتمة على الجهود المبذولة لمعالجة قضايا الإرهاب وتداعيات النزاعات المسلحة. إن مغادرة الآلاف في ظل الفوضى يزيد من تعقيد المشهد، ويطرح تساؤلات ملحة حول مسؤولية الدول عن مواطنيها، والدور المستقبلي للقوات المحلية في تأمين المناطق المتأثرة بالإرهاب. يجب على المجتمع الدولي تحمل مسؤوليته والعمل معًا لإيجاد حلول مستدامة تضمن الأمن والاستقرار.

