تستعد الولايات المتحدة للإعلان عن “مجلس السلام” الخاص بقطاع غزة في الأسبوع المقبل، وعقد أول اجتماعاته على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وذلك وفقًا لمُيسّر فلسطيني أمريكي مقرب من إدارة ترامب. يأتي هذا الإعلان في ظل تزايد الاهتمام الدولي بوضع غزة، خاصة بعد اتفاق الهدنة الهش والانتهاكات المستمرة. هذا التطور يُعد محاولة جديدة لإنعاش جهود السلام المتوقفة، ويطرح تساؤلات حول مدى جدواه في ظل التحديات المعقدة على الأرض.
الإعلان عن “مجلس السلام” وتوقيت الاجتماع الأول
أفاد بشارة حبش، الوسيط المذكور، عبر صفحته على فيسبوك أن “مجلس السلام لغزة” من المتوقع أن يعلن عن اجتماعه الرسمي الأول على هامش اجتماعات دافوس في الأسبوع الثالث من هذا الشهر”. حبش لعب دورًا هامًا في التوسط بين حركة حماس والإدارة الأمريكية السابقة، قبل التوصل إلى اتفاق الهدنة في أكتوبر الماضي. كما أنه كان قياديًا في حملة “أمريكيون عرب من أجل ترامب”، حيث ساهم في حشد الدعم للرئيس الأمريكي قبل انتخابات عام 2024.
هذا الإعلان يعكس تحركًا ملحوظًا في ملف “مجلس السلام لغزة” الذي دعا إليه الرئيس ترامب. فقد تواصلت حماس بشكل غير رسمي مع حبش في ربيع عام 2025 كوسيلة للوصول إلى الإدارة الأمريكية. كما ساعد حبش في ترتيب إطلاق سراح المواطن الأمريكي الإسرائيلي إيدان ألكسندر من الأسر في مايو.
هيكل “مجلس السلام” وأعضائه المحتملين
تُظهر التطورات الأخيرة أن هيكل “مجلس السلام” سيعتمد على عدة مستويات. سيترأس الرئيس ترامب المجلس، بمشاركة قادة عالميين آخرين. سيتولى نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البلغاري السابق ومبعوث الأمم المتحدة السابق إلى الشرق الأوسط، منصب المدير التنفيذي للمجلس. ملادينوف، بعد مغادرته الأمم المتحدة، انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة للتدريس في أكاديميتها الدبلوماسية، مما يشير إلى دور محوري قد تلعبه الإمارات في هذه المبادرة.
سيتعامل المجلس مباشرة مع لجنة من الخبراء الفلسطينيين في غزة، من خلال تنسيق ملادينوف. تهدف هذه اللجنة إلى إدارة عملية إعادة الإعمار وتقديم مقترحات عملية لتحسين الوضع المعيشي في القطاع. وبحسب حبش، سيتم تأسيس “الكِيانات الرئيسية” المسؤولة عن “إدارة” عملية إعادة إعمار غزة خلال 30 يومًا. ويتوقع عقد اجتماع للفصائل الفلسطينية في القاهرة الأسبوع المقبل، لإعلان أسماء أعضاء اللجنة التقنية المستقلة التي ستدير شؤون غزة.
اتفاق الهدنة والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة
على الرغم من إعلان الهدنة في أكتوبر، إلا أنها لم تخلُ من الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة. تشير بيانات مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى مقتل ما لا يقل عن 418 فلسطينيًا جراء مئات الهجمات الإسرائيلية بعد الاتفاق.
في ديسمبر الماضي، صرّح الرئيس ترامب بأنه يدرس ما إذا كانت عملية اغتيال إسرائيلية لمسؤول كبير في حماس قد انتهكت الهدنة. إلا أن الاهتمام العام بغزة تراجع مؤخرًا، بسبب الأحداث الجارية الأخرى، مثل الهجوم الأمريكي على فنزويلا والقتال في اليمن والاحتجاجات في إيران.
تحديات تواجه “مجلس السلام” ووقف المساعدات
تواجه مبادرة “مجلس السلام” تحديات كبيرة، أبرزها الوضع الإنساني المتدهور في غزة وتوقف المساعدات. فقد وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نوفمبر الماضي على تفويض قوة دولية لتثبيت الوضع في غزة، لكن الدول العربية والإسلامية المتوقع أن تساهم في هذه القوة تخشى الوقوع في مواجهة مباشرة بين حماس، التي لم تتخل عن سلاحها، والجيش الإسرائيلي الذي يحتل جزءًا كبيرًا من القطاع.
وقد أعلنت أذربيجان في يناير أنها لن ترسل قوات إلى غزة، على الرغم من كونها حليفًا رئيسيًا لتركيا، إلا أنها تحافظ أيضًا على علاقات وثيقة مع إسرائيل، مما كان يمكن أن يجعل مشاركتها في القوة الدولية ذات أهمية بالغة.
بالإضافة إلى الهجمات العسكرية، تتهم إسرائيل بتقييد وصول المساعدات إلى غزة، خاصة في ظل درجات الحرارة المتجمدة. ويقول بشارة حبش إن إسرائيل تعمل على سحب الاعتراف من “معظم المؤسسات الدولية التي تقدم المساعدة لقطاع غزة”، بدعوى أنها “معادية لإسرائيل”. ويضيف أن توزيع المساعدات في المستقبل سيتم “عبر آلات تخضع لإشراف شركات خاصة مملوكة لأفراد”، دون تحديد هويات هؤلاء الأفراد.
لكن اتفاق الهدنة الذي كفلته الولايات المتحدة، إلى جانب قطر ومصر، اعتمد على مقترح من 20 نقطة قدمه الرئيس ترامب، والذي تضمن وعدًا بضمان وصول المساعدات إلى غزة “دون تدخل” من خلال الأمم المتحدة ووكالاتها. كما نص الاتفاق على ضرورة السماح بتدفق المساعدات عبر معبر رفح، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
الخلاصة
إن إعلان الولايات المتحدة عن “مجلس السلام لغزة” يمثل خطوة جديدة في جهود حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن نجاح هذه المبادرة يعتمد على قدرتها على التغلب على التحديات الكبيرة التي تواجهها، بما في ذلك الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، وتوقف المساعدات، والشكوك حول مدى التزام الأطراف المعنية بتنفيذ الاتفاقات. من الضروري متابعة تطورات هذا المجلس وتقييم تأثيره على أرض الواقع، مع الأخذ في الاعتبار التعقيدات السياسية والإنسانية التي تحيط بقطاع غزة. هل ستنجح هذه المبادرة في تحقيق الاستقرار والسلام في غزة؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.
الكلمات المفتاحية: مجلس السلام لغزة، الانتهاكات الإسرائيلية، الوضع الإنساني، إعادة إعمار غزة.

