استعادة القوة الفلسطينية: دعوة للتأمل والنهوض في لحظة مفصلية

يقف الفلسطينيون اليوم أمام مفترق طرق حاسم، مفترق يحمل بين طياته تحديات وجودية عميقة، في ظل تآكل المشروع الوطني، وغياب برنامج سياسي موحد وقيادة فاعلة، وتفكك النسيج المجتمعي، وما يصاحب ذلك من ضياع وارتباك. في هذه اللحظة، التي تتسع فيها “المناطق الرمادية” لتصبح جزءاً لا يتجزأ من بنية الاستعمار وأنظمة السيطرة، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى، مناقشة وتحليل واستجلاء الأوراق التي لا يزال الفلسطينيون يمتلكونها.

فك رموز التحديات: أين تكمن قوتنا؟

هذه الأوراق هي الأدوات التي يمكن أن تنقل الفلسطينيين من حالة الهزيمة والضعف والتيه، إلى موقع أفضل لمواجهة محاولات إسرائيل المستمرة لطمس الهوية والوجود الفلسطيني. يتطلب هذا، بالضرورة، عملية تأمل ذاتي جادة وصادقة ونقد ذاتي، تمهيداً لبناء مستقبل مختلف، شيء جديد جوهري، يتماشى مع حقائق اللحظة الراهنة، وعواقب ما نشهده، والإخفاق السياسي الجماعي للحركة الوطنية الفلسطينية.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، فشلت هذه الحركة الوطنية في تأسيس جسد سياسي فلسطيني صلب، قادر على المناورة والتكيف برؤية واضحة ومبدئية مع التحولات الهيكلية الإقليمية والعالمية. والأهم من ذلك، فشلت الحركة في بناء إطار وطني شامل، وسلطوي، وشرعي، وفعال، يمكن أن يجتمع تحته الفلسطينيون من مختلف التوجهات السياسية؛ مظلة سياسية تمثلهم وتتسع لآفاق سياسية متباينة.

الوحدة لا تعني بالضرورة ذوبان الأفكار الفلسطينية في برنامج سياسي واحد. فهذا المفهوم يتعارض مع التعددية السياسية. بل تكمن الوحدة في التفاعل، والتقاطع، والمشاركة، والاختلاف بين البرامج السياسية، ضمن سياق هدف مشترك لمستقبل تحرري، يضع الحرية والكرامة وتقرير المصير والعودة كأهداف جماعية.

سياسات الإقصاء وأثرها

إن سياسات الإقصاء، التي تتقاطع مع الهدف الاستعماري للتفتيت، تم اتباعها عملياً من قبل الفاعلين المهيمنين ضمن الحركة الوطنية الفلسطينية – خاصة على مدى العقدين الماضيين – من خلال ترسيخ وتأصيل الانقسامات الفلسطينية الداخلية، وبالتالي إضعاف المشروع الوطني.

وبالتالي، في ضوء ما بات واضحاً خلال العامين الماضيين – وبالنظر إلى طريقة تفاعل فتح وحماس مع التحولات الإقليمية المتكشفة – فإن مساءلة وتسديد الحساب السياسي للقوى التي تقف وراء الانقسام الفلسطيني ليس رفاهية. بل هو مكون أساسي لأي عملية تحويلية، بما في ذلك إعادة إعمار غزة، إذا كان الهدف هو تدشين مرحلة سياسية جديدة تستفيد من الماضي وتبني نحو الشرعية والتمثيل، وجعل الشعب في صلب السياسة.

الفرصة الذهبية لإعادة البناء

اللحظة الراهنة، والشكل الذي لا يزال يتكشف لعملية إعادة الإعمار في غزة، يقدمان نقطة دخول حاسمة لا يجب إضاعتها. إنها فرصة للمساءلة، ووضع أسس جديدة للممارسة السياسية الفلسطينية الجماعية.

المسار الذي يمكن أن يؤسس لنظام داخلي جديد في غزة، يمكن أن يشكل فصلاً في “ميثاق حرية” أوسع لحوار وطني فلسطيني شامل، يرتكز على التأمل النقدي.

يجب أن يصاحب إعادة الإعمار المادي والجسدي، إعادة إعمار سياسية جادة: إعادة بناء السياسة والحوكمة الفلسطينية بطرق تعيد تعريف طبيعة المؤسسات السياسية، والقيادة، والرؤية، والحوار الوطني. يتطلب هذا أيضاً إعادة التفكير في الخطاب السياسي، واستراتيجيات العمل السياسي، وأشكال وأدوات المقاومة، وأدوار المؤسسات والمجتمع المدني، على مسار يقرب الفلسطينيين من الحرية – بدلاً من مجرد تكييف السياسات والإجراءات لتحسين الظروف المعيشية تحت الاستعمار.

للشروع في هذه العملية التحويلية، من الضروري تحديد مواقع وأركان قوة الفلسطينيين الذاتية، والاستثمار فيها. هذا يتجاوز الأهمية المركزية للوجود الفلسطيني، والكيان، والصمود، في مواجهة محاولات إسرائيل المستمرة لاقتلاعهم.

إن الحضور الوجودي والصمود بحد ذاته يتطلب تعزيزاً وتغذية وتقوية، لتمكين تطورها من موقف رد فعل إلى قوة مولدة؛ من تحمل ثابت إلى عمل تشاركي. القدرة التحويلية لهذه الصفات تتطلب قيادة رؤيوي، وآليات مؤسسية، وقنوات للعمل السياسي الفعال.

المزايا التنافسية الكامنة

باعتبارها مجتمعاً قائماً على الحركة الاجتماعية، ويتسم بالديناميكية الاجتماعية، يمتلك الفلسطينيون مزايا تنافسية، قادرة في جوهرها على تحويل القوة إلى فعل عند توفر شروط معينة: القيادة، والمؤسسات الفاعلة، والرؤية، والمشاركة، والمساءلة.

هذه ليست مُثُلاً غير قابلة للتحقيق؛ بل تتطلب ببساطة إعادة توجيه بوصلة العمل السياسي الفلسطيني نحو موقف تشاركي، ومواجه، وواثق من قدراته، يبني على مصادر قوة داخلية واضحة.

بعد عامين من الإبادة الجماعية، تبدو مهمة بناء “مصفوفة قوة فلسطينية ذاتية” أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. يجب أن تنبع هذه المصفوفة من العمل الجماعي، ويجب أن تؤطر نقاط القوة الفلسطينية الحالية: رأس المال البشري والاجتماعي، والمجتمع المدني النشط والمشارك، وآليات الصمود والمقاومة، والممارسات الريادية عبر القطاعات، والفئات الاجتماعية المهمشة القادرة على قيادة التغيير، وغيرها.

بناء قائمة أمل

بعد تجارب متكررة من الهزيمة والضعف والارتباك، يمكن لمثل هذه المصفوفة أن تكون خطوة حيوية نحو بناء “قائمة أمل” وسط ألم هائل.

يمكن أن تصبح هذه “القائمة” مرجعاً لتنشيط العمل الفلسطيني، مع تسليط الضوء على مجالات القوة الداخلية المفتوحة للاستثمار والتطوير، وتذكير الفلسطينيين أنفسهم بالقدرات التي يمتلكونها – والتي سعى العديد من الجهات الدولية والمحلية إلى نزعها منهم على مدى عقود.

حان الوقت لاستعادة مصادر القوة بطرق عملية وملموسة، وتمكين التغيير التحويلي المستدام على المدى الطويل. إن إعادة الإعمار المادية والجسدية مهمة، ولكن كما تظهر التجربة مراراً وتكراراً، فإن المباني معرضة للتدمير السريع من قبل القوى الاستعمارية. أما مصادر القوة العضوية المتجذرة في القدرات الفلسطينية، فتنمو أقوى عندما تتحول من مجرد أدوات للبقاء إلى عوامل نشطة للتغيير.

لتحقيق الاستراتيجيات المذكورة أعلاه، يلزم ركن ثالث: ميثاق أو وثيقة تنظيمية لغزة، تحدد المبادئ التوجيهية، والأسس التنظيمية، وآليات المساءلة، ورؤية محلية مملوكة لمستقبل غزة، مستندة إلى عمل المجتمع المدني الفلسطيني على مدى العامين الماضيين. يمكن لهذا المستند أن يساعد في رسم مسار بديل للخطط التي تضعها حالياً إدارة ترامب للفلسطينيين في غزة وخارجها.

ويمكن لهذا الميثاق الغزي أن يشكل فصلاً في “ميثاق حرية” أوسع لحوار وطني فلسطيني شامل، يرتكز على التأمل النقدي. سيتبنى مثل هذا الحوار نهجاً شمولياً لإعادة الإعمار، يشمل بالضرورة إعادة بناء الوكالة السياسية المتمحورة حول الناس والمشاركة الشعبية، ونحن نتحرك نحو مستقبل يحدد فيه الفلسطينيون مصيرهم بأنفسهم.

شاركها.
Exit mobile version