لقد شكلت قمة وزراء الطرق التنموية التي عقدت في اسطنبول في التاسع والعشرين من أغسطس/آب لحظة محورية في تقدم مشروع الطريق التنموي بين تركيا والعراق، حيث سلطت الضوء على الاعتبارات الحاسمة في تنفيذه. وخلال مؤتمر صحفي مع نظيره العراقي، رزاق محبس السعداوي، أكد وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، على أهمية المشروع ــ ليس فقط كبديل قابل للتطبيق لسلاسل التوريد العالمية، بل وأيضاً كمبادرة رئيسية للتكامل مع مشاريع الاتصال الأخرى وتعزيز الرخاء الإقليمي.

ما أهمية هذا اللقاء الرباعي بين وزراء خارجية تركيا والعراق والإمارات وقطر؟

خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العراق في أبريل/نيسان، كان تشكيل مجلس وزراء لإدارة بناء وتشغيل طريق التنمية أحد الاتفاقيات الرئيسية التي تم التوصل إليها. وكان الاجتماع الافتتاحي لهذا المجلس، الذي عقد في إسطنبول، بمثابة معلم مهم، حيث وضع الإطار لهذه الآلية. كما وضع خارطة طريق لكيفية إضفاء الطابع المؤسسي على تمويل المشروع وعملياته من قبل الأطراف المعنية. ومن بين أهم هذه الخطوات اقتراح إنشاء نظام تمويل مشترك يمكن لجميع أصحاب المصلحة إرسال أموالهم إليه بسهولة للمشروع. ومع اكتمال المرحلة الأولى من طريق التنمية وتشغيلها بحلول عام 2025، بدأت الخطوات الملموسة والتفاصيل التشغيلية في التبلور، مما يجعل هذه المبادرة الطموحة أقرب إلى الواقع.

اقرأ: تركيا والعراق وقطر والإمارات تتعاون في تطوير ممر سكك حديدية من الخليج إلى أوروبا

المزايا الاستراتيجية

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تصاعدت حدة الحرب الإسرائيلية على غزة، مدفوعة بأعمال شنتها جماعات مدعومة من إيران، مما أدى إلى امتداد التأثيرات إلى مختلف أنحاء المنطقة. وتضيف التهديدات النشطة التي أطلقها الحوثيون اليمنيون ضد الشحن البحري في البحر الأحمر طبقة أخرى من التعقيد، حيث تعمل فعليا على إغلاق الوصول إلى قناة السويس أو تضخيم التكاليف بشكل كبير بسبب أقساط المخاطر الباهظة التي تفرضها شركات التأمين.

وحتى في غياب التهديد بالهجوم، من المتوقع أن توفر السفينة التي تبحر على طريق التنمية من ميناء الفاو الكبير 15 يوماً من وقت العبور. وفي الوقت نفسه، تواجه السفن التي تغير مسارها من مضيق باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح تأخيراً إضافياً لمدة 10 أيام، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية بنسبة 30%. وتترجم هذه التكاليف المتزايدة حتماً إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين.

ومن ناحية أخرى، لم يحقق مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسطي-الأوروبي (IMEC)، الذي يُنظَر إليه باعتباره مضادًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية، ومنتجًا للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين، أي نتائج ملموسة حتى الآن. ولم تؤد الحرب في غزة إلا إلى زيادة حالة عدم اليقين المحيطة بجزء المشروع في شبه الجزيرة العربية، مما تركه في حالة من عدم اليقين العميق. وفي هذا السياق، أصبح طريق التنمية سريعًا حقيقة لا غنى عنها، حيث يوفر بديلاً حيويًا لتدفق السلع من آسيا إلى الأسواق الأوروبية.

وعندما يتعلق الأمر بالمخاوف الأمنية المحيطة بالجزء العراقي من طريق التنمية، فلا يمكن إنكار التهديدات المحتملة التي يشكلها إرهاب حزب العمال الكردستاني والأعمال التخريبية التي تقوم بها الميليشيات الموالية لإيران. ومع ذلك، فإن الديناميكيات تتغير. فقد أصبح إرهاب حزب العمال الكردستاني الآن قضية مهمة بالنسبة لبغداد أيضًا، وقد بذل العراق جهودًا كبيرة لبناء شراكة مع أنقرة. ونظراً للالتزام بجهود مكافحة الإرهاب المنسقة، فإن هذه المخاوف الأمنية في متناول اليد ليتم حلها.

وعلاوة على ذلك، فإن المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه العراق مرتفعة. فالمجموعات العرقية المتنوعة على طول مسار المشروع والفوائد المالية التي يعد بها للاقتصاد العراقي تجعل هذا المشروع أكثر من مجرد مشروع آخر للبنية الأساسية. ويشير الاهتمام الكبير الذي يبديه العراق بهذه المكاسب الاقتصادية إلى أنه سيتخذ خطوات أكثر حسماً وفعالية لمعالجة القضايا الأمنية مقارنة بمشاريع أخرى مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي يواجه تحديات كبيرة بسبب تدهور البيئة الأمنية الناجمة عن الأعمال العنيفة التي يقوم بها الانفصاليون البلوش. وبالتالي، فإن طريق التنمية يمثل مشروعاً لا يمكن للعراق ببساطة أن يسمح له بالتعثر.

الترابط بين طريق التنمية والممرات التجارية الأخرى

وفي أعقاب الاجتماع، سلط الوزير أورال أوغلو الضوء على العلاقة التكاملية بين طريق التنمية وطرق التجارة الأخرى. وعند النظر في المسافات الطويلة بين الموارد والأسواق، هناك فرص واضحة لدمج مشاريع الاتصال المختلفة. على سبيل المثال، يمكن أن يعمل طريق التنمية والممر الأوسط معًا كثنائي تكميلي، مما يسهل وصول الصين إلى الأسواق الأوروبية. ومع ذلك، يمكن أن تختلف الديناميكيات الجيوسياسية مع مشاريع أخرى. خذ على سبيل المثال مشروع الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان. نظرًا للهجمات المستمرة التي يشنها جيش تحرير بلوشستان والتحديات المالية الحالية التي تواجهها باكستان، يبدو نجاح المشروع في الأمد القريب غير مرجح. ومع ذلك، قد يكون الطريق الذي يربط ميناء جوادر بميناء الفاو الكبير في الخليج العربي ممكنًا. ولتحقيق هذه الغاية، فإن إكمال طريق شينجيانج-جوادر وخطوط السكك الحديدية بنجاح أمر ضروري.

رئيس الوزراء: نعمل على ربط الشرق بأوروبا عبر العراق وتركيا

الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.

يرجى تفعيل JavaScript لعرض التعليقات.

شاركها.
Exit mobile version