في خطوة مفاجئة، أصدر الرئيس السوري المؤقت أحمد الشراعا مرسومًا بمنح الأقلية الكردية، التي عانت طويلًا من التهميش، حقوقًا طال انتظارها. يأتي هذا الإجراء في وقت حرج، قبيل اجتماع مرتقب بين مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا، توم باراك، والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم كوباني، في أربيل. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل الأكراد في سوريا، وعلاقته بالجهات الفاعلة الإقليمية والدولية.

مرسوم تاريخي يمنح الأكراد حقوقًا جديدة

المرسوم، الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) يوم الجمعة، يؤكد أن “المواطنين الكرد السوريين هم جزء لا يتجزأ وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية هي مكون لا ينفصل عن الهوية الوطنية السورية الموحدة والمتنوعة”. ويستند المرسوم إلى أحكام الإعلان الدستوري الانتقالي السوري الذي وضعته الحكومة من جانب واحد العام الماضي، ويلتزم بحماية التنوع الثقافي واللغوي للأكراد.

أهم ما يميز هذا المرسوم هو إعلانه اللغة الكردية لغة وطنية، يمكن تدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الأكراد فيها نسبة كبيرة من السكان. كما ينص على اعتبار 21 مارس، وهو عيد النوروز الكردي، عطلة رسمية على مستوى سوريا. هذه التنازلات تتجاوز بكثير ما قدمته تركيا لمجتمعها الكردي الأكبر داخل البلاد، وكذلك ما قدمته إيران التي لديها أيضًا جالية كردية كبيرة ومستاءة. فقط العراق يضمن دستورياً مكانة الأكراد الفيدرالية.

دوافع التوقيت وأهداف الحكومة السورية

يثير توقيت هذا المرسوم تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراءه. فقد صدر قبل ساعات قليلة من الاجتماع الحاسم بين باراك وكوباني في أربيل. يتوقع على نطاق واسع أن يضغط باراك على كوباني للاتفاق على انسحاب قواته من جميع الأراضي الواقعة غرب نهر الفرات، وهو مطلب رئيسي للحكومتين السورية والتركية.

يبدو أن الحكومة السورية تسعى من خلال هذه الخطوة إلى استمالة الأكراد السوريين بعيدًا عن قيادتهم الحالية، أي قوات سوريا الديمقراطية. فقد هددت الحكومة السورية مؤخرًا بمهاجمة البلدات التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في الشمال والشرق، بعد أن طردت مقاتلين أكراد من حيين أغلبية كردية في حلب الأسبوع الماضي. أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى تقويض الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 10 مارس من العام الماضي بين كوباني والشراعا، والذي حدد معالم دمج الأذرع المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية الكردية التي تسيطر على الثلث الشمالي والشرقي من سوريا.

ردود الفعل المحتملة وتحديات المستقبل

من المرجح أن تتفاجأ قوات سوريا الديمقراطية بهذا المرسوم. فقد يثير هذا الإجراء انقسامات داخل المجتمع الكردي، بين أولئك الذين يرون فيه خطوة إيجابية نحو الاعتراف بحقوقهم، وأولئك الذين يعتبرونه محاولة لتقويض وحدتهم وتفكيك قوتهم.

الحقوق الكردية في سوريا كانت قضية معقدة وحساسة لعقود. فقد عانى الأكراد، الذين يشكلون حوالي 10٪ من سكان سوريا، من التمييز والتهميش في ظل خمسة عقود من الحكم البعثي. وقد حرم مئات الآلاف من الأشخاص في المجتمع الكردي من الحصول على أوراق الهوية، ولم يُسمح لهم بفتح أعمال تجارية أو امتلاك الأراضي.

ومع ذلك، لا تزال هذه الخطوة بعيدة عن تلبية المطالب الكردية الكاملة، والتي تشمل الحكم الذاتي وإزالة كلمة “العرب” من الاسم الرسمي للبلاد، “الجمهورية العربية السورية”.

الآفاق المستقبلية وعلاقة الأكراد بالجهات الفاعلة الإقليمية

على الرغم من أن هذا المرسوم يمثل تقدمًا ملحوظًا، إلا أن هناك العديد من التحديات التي لا تزال قائمة. يجب على الحكومة السورية أن تثبت التزامها بتنفيذ هذا المرسوم على أرض الواقع، وأن تضمن حماية حقوق الأكراد في جميع أنحاء البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأكراد السوريين أن يقرروا ما إذا كانوا سيعتبرون هذا المرسوم فرصة لتحسين وضعهم، أم أنه مجرد خدعة من الحكومة السورية. سيكون من الضروري أيضًا أن يراقب المجتمع الدولي عن كثب التطورات في سوريا، وأن يضغط على جميع الأطراف المعنية لضمان حماية حقوق الأكراد.

في الختام، يمثل المرسوم الصادر عن الرئيس السوري المؤقت خطوة مهمة نحو الاعتراف بحقوق الأكراد في سوريا. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لضمان تحقيق المساواة والعدالة للأكراد في البلاد. هذا التطور سيؤثر بشكل كبير على ديناميكيات الصراع السوري، وعلاقة الأكراد بالجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. من الضروري متابعة هذه التطورات عن كثب، وتحليلها بعناية لفهم الآثار المترتبة عليها.

شاركها.
Exit mobile version