تصريحات الوزير الإسرائيلي سموتريتش تثير غضباً واسعاً بشأن العنف في المجتمعات الفلسطينية
أثارت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، التي ألقى باللوم فيها على الفلسطينيين في “قتل بعضهم بعضاً”، موجة عارمة من الغضب والانتقادات خلال نقاش برلماني أمس الثلاثاء. جاءت هذه التصريحات في سياق نقاش حول مقترحات ضريبية وسياسة الحكومة تجاه المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل.
اتهامات بالإهمال وتصريحات مستفزة
خلال جلسة برلمانية، واجه سموتريتش انتقادات من عدد من المشرعين الفلسطينيين، بمن فيهم النائبة إيمان خطيب-ياسين. وأشارت النائبة إلى أن مقترح الوزير، الذي يتضمن فرض ضريبة عقارية بنسبة 1.5% على الأراضي غير المطورة، سيؤثر سلباً على الفلسطينيين الذين يملكون عقارات لكنهم غير قادرين على تطويرها. كما اتهمت النائبة والحاضرون الحكومة بالفشل في تحمل مسؤوليتها تجاه تصاعد العنف داخل المجتمعات الفلسطينية.
ورداً على هذه الاتهامات، وجه سموتريتش سؤالاً استفزازياً للمشرعين قائلاً: “هل الحكومة مسؤولة عن حقيقة أنكم تقتلون بعضكم بعضاً؟”. قوبلت هذه التصريحات بردود فعل وصفت بأنها “مقززة” و”عنصرية”. وأضاف الوزير: “ربّوا جمهوركم ليوقفوا القتل. ل نبدأ بإدانتكم للإرهاب والعنف. عرفوا حماس كمنظمة إرهابية”.
تزايد العنف وفشل الدولة في التعامل معه
تشهد الأسابيع الأخيرة تظاهرات متكررة واحتجاجات واسعة النطاق في البلدات والقرى الفلسطينية داخل إسرائيل، وذلك احتجاجاً على جرائم القتل شبه اليومية. بدأت هذه الاحتجاجات في بلدتي سخنين وطمرة ثم انتشرت على نطاق أوسع. وبلغت ذروتها في تل أبيب الأسبوع الماضي، حيث تجمع ما يقرب من 100 ألف شخص. والتي تُعد من أكبر التعبئات للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل منذ سنوات، مطالبين باتخاذ إجراءات جذرية لمكافحة العنف والجريمة المنظمة.
وفقاً لمنظمة “مبادرات أبراهام”، وهي منظمة غير حكومية ترصد العنف في المجتمعات الفلسطينية، فقد قُتل 51 مواطناً فلسطينياً في إسرائيل حتى الآن هذا العام. ويأتي هذا الارتفاع الحاد بعد عام قياسي في 2025، حيث بلغ عدد الضحايا 252 شخصاً في 218 حادثة منفصلة. وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الوفيات قد تضاعف تقريباً أربع مرات خلال العقد الماضي.
اتهامات بالتقاعس المتعمد وتأثيره على المجتمع
يتهم الفلسطينيون الحكومة الإسرائيلية بالتقاعس عن معالجة هذه الأزمة، وفي بعض الحالات، بالسماح بظروف تسهل تصاعد العنف. وقد تعرض المفوض العام السابق للشرطة، كوبي شبتاي، لانتقادات شديدة العام الماضي، بعد أن سُجل له اقتراح بأنه لا يمكن فعل الكثير للحد من الجريمة في المجتمعات الفلسطينية لأن “قتل بعضهم البعض” هو “في طبيعتهم”.
في العام الماضي، سُجلت 308 جريمة قتل في إسرائيل، منها 249 جريمة راح ضحيتها فلسطينيون، وفقاً لبيانات صحيفة “هآرتس”. مما يعني نسبة تقريبية لخمسة ضحايا فلسطينيين مقابل ضحية يهودي واحد.
ويقول أحمد خليفة، المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان، إن هذا “الإهمال المتعمد هو سياسة تهدف إلى تفكيك المجتمع داخلياً وإجباره على إعطاء الأولوية للطلب الأساسي المتمثل في السلامة”. وأضاف أن “الدولة هي من تحدد أماكن عمليات العصابات وتسمح لها بالازدهار داخل المناطق الفلسطينية”.
يؤكد الدكتور وليد Haddad، عالم الجريمة وأستاذ جامعي، أن عدد ضحايا جرائم القتل داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل كان حوالي 50 شخصاً في عام 2016. ثم ارتفع الرقم ليتجاوز 100 في عام 2020، وتجاوز 200 بحلول عام 2023. ويضيف Haddad: “إسرائيل لم تتعامل مع تصاعد الجريمة كتهديد استراتيجي للدولة، وبالتالي لم يتم تقديم أي خطة حكومية”. وأشار إلى أن “المسؤولية تقع على عاتق المؤسسة نفسها. ففي كل دولة تنتشر فيها الجريمة المنظمة، تكون المسؤولية في نهاية المطاف على عاتق الدولة”.
خلفية تاريخية واجتماعية
المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل هم أحفاد السكان العرب في فلسطين التاريخية الذين بقوا في وطنهم بعد نكبة عام 1948، والتي شهدت طرد حوالي 750 ألف فلسطيني على يد عصابات صهيونية قبل إنشاء دولة إسرائيل. ويبلغ عدد هذا المجتمع اليوم حوالي مليوني شخص، ويمثلون ما يقرب من 20% من سكان إسرائيل البالغ عددهم حوالي 10 ملايين نسمة. وعلى الرغم من حملهم للجنسية الإسرائيلية، فقد واجهوا قوانين وممارسات تمييزية لعقود، بما في ذلك فترة الحكم العسكري من عام 1948 إلى عام 1966.
الخلاصة
تُسلط حادثة تصريحات وزير المالية الإسرائيلي الضوء على التوترات المستمرة والخلافات العميقة بشأن كيفية يتعامل المجتمع والدولة الإسرائيلية مع قضايا العنف والجريمة داخل المجتمعات الفلسطينية. وتؤكد هذه الأحداث على الحاجة الملحة لنهج شامل ومسؤول لمعالجة جذور المشكلة، بدلاً من إلقاء اللوم والتقليل من شأن التحديات المعقدة التي تواجه هذا المجتمع. إن تجاهل المطالبات المتزايدة بالمساءلة والتحرك الفعال قد يؤدي إلى تفاقم الوضع وزيادة حالة عدم الاستقرار.

