من الواضح أن السفير الإسرائيلي المغادر لدى الأمم المتحدة، جلعاد أردان، قد مر بتجربة غير سارة في أكبر مؤسسة دولية في العالم. ففي مقابلة نشرتها صحيفة إسرائيلية، قال أردان: معاريف في العشرين من أغسطس/آب، قال المبعوث الساخط إن “مبنى الأمم المتحدة يجب أن يُغلق ويُمحى من على وجه الأرض”. وسواء أدرك أردان ذلك أم لا، فإن تصريحه العدواني يشكل اعترافاً بأن مسيرته المهنية التي استمرت أربع سنوات كأعلى دبلوماسي إسرائيلي في الأمم المتحدة كانت فاشلة.
في المقابلة، أعرب إردان عن رغبته في أن يصبح رئيسًا لحزب الليكود، الحزب اليميني الذي يتزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو. ربما كان اختياره للكلمات بمثابة طريقته في جذب الدوائر الانتخابية اليمينية واليمينية المتطرفة التي تتغذى على مثل هذا الخطاب العدواني.
ولكن كراهية إردان للأمم المتحدة لا تقتصر على مجرد إحباط دبلوماسي محبط. فلدى إسرائيل تاريخ طويل ومضطرب مع الأمم المتحدة والمؤسسات المرتبطة بها. ووفقاً للخطاب السياسي الإسرائيلي ورواية الضحية، فإن الأمم المتحدة منظمة “معادية للسامية”، وهي التسمية التي كثيراً ما تُستَخدَم عندما تواجه إسرائيل حتى أدنى انتقاد.
وتعتبر علاقة إسرائيل مع الأمم المتحدة غريبة بشكل خاص لأن دولة الاحتلال أنشئت بموجب قرار من الأمم المتحدة.
كان هذا القرار في حد ذاته نتيجة مباشرة للمكائد السياسية للأمم المتحدة والضغوط الغربية. ففي التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 1947، أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي يدعو إلى تقسيم فلسطين التاريخية إلى دولة يهودية ودولة عربية. وخصص القرار معظم الأرض، 56%، للسكان اليهود، الذين كانوا يشكلون آنذاك أقلية، والباقي للسكان الأصليين العرب الفلسطينيين. وبعد فترة وجيزة، بدأت القيادة الصهيونية اليهودية حملة عسكرية شهدت احتلال الدولة الناشئة لمعظم فلسطين وتطهير معظم سكانها عرقياً.
رأي: لا ينبغي لنا أن نتجاهل الوحشية المتواصلة للاستعمار الاستيطاني
لقد تم قبول إسرائيل كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة في الحادي عشر من مايو/أيار 1949، في حين ظل الفلسطينيون الأصليون في هذه الأرض بلا دولة. ورغم أن قبول إسرائيل في الهيئة الدولية كان مشروطاً بقبول القرارين 181 و194 ـ اللذين يتناولان وضع القدس كهيئة دولية، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين ـ فإن انتهاكات إسرائيل لهذه القرارات وغيرها لم تتم معاقبتها بفضل الدعم القوي من واشنطن وغيرها من القوى الغربية.
في يونيو/حزيران 1967، تم احتلال بقية فلسطين التاريخية. ومرة أخرى، تعرض مئات الآلاف من الفلسطينيين للتطهير العرقي، ومنذ ذلك الحين، ظل الفلسطينيون الباقون في أرضهم إما “عرب إسرائيليين” أو لاجئين يعيشون في ظل نظام قاس من الاحتلال العسكري والفصل العنصري والحصار وحالة الحرب الدائمة.
إن الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة هي تتويج لكل الظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني على مدى العقود الثمانية الماضية وأكثر. لم تبدأ الحرب في السابع من أكتوبر 2023، ولن تنتهي عندما يتم الإعلان أخيرًا عن وقف إطلاق النار.
وبعيداً عن إعلان بلفور الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 1917، والذي تعهدت فيه بريطانيا بدعم إنشاء “الوطن القومي اليهودي” في فلسطين التاريخية، فإن قرار الأمم المتحدة رقم 181، الذي سمح بإنشاء إسرائيل، يمكن اعتباره بلا شك بمثابة بداية المعاناة الفلسطينية المستمرة.
وعلى مدار هذا التاريخ الدموي الظالم، لم تعاقب الأمم المتحدة إسرائيل على انتهاكاتها لقراراتها وغيرها من ركائز القانون الدولي، ولم تمنح الفلسطينيين العدالة التي طال انتظارها. كما فشلت في تنفيذ أو فرض أي من قراراتها التي تعترف بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون اللجوء إلى الأمم المتحدة، لأنها منبرهم الدولي الوحيد الذي يمكنه تذكير إسرائيل والعالم باستمرار بأن تل أبيب قوة احتلال، وأن القوانين الدولية والإنسانية يجب أن تنطبق على الفلسطينيين باعتبارهم شعباً محتلاً. وقد تم تقديم مثل هذه التذكيرات بشكل متكرر في الماضي، في الجمعية العامة للأمم المتحدة وحتى في مجلس الأمن، ودائماً لإزعاج إسرائيل وداعميها الغربيين، وخاصة الولايات المتحدة.
وقد تم التعبير عن الموقف القانوني القوي الأخير من خلال الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 19 يوليو/تموز. وبعد الشهادات والتدخلات التي قدمتها 52 دولة على الأقل وعدد لا يحصى من الخبراء، قررت محكمة العدل الدولية أن
إن احتلال إسرائيل لقطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، هو احتلال غير قانوني، إلى جانب نظام الاستيطان المرتبط به وضمه واستغلال الموارد الطبيعية.
ورغم أن الأمم المتحدة لم تفعل أي شيء في إجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها أو تفكيك المستوطنات غير القانونية أو احترام حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين، فإن المؤسسة الدولية تظل مصدر إحباط لدولة الاحتلال.
منذ إنشائها على أنقاض منازل الفلسطينيين، عملت إسرائيل على تغيير وضع فلسطين واللاجئين الفلسطينيين، وتحدت باستمرار مصطلح “الاحتلال”. لقد بذلت قصارى جهدها لإعادة كتابة التاريخ، وضم الأراضي الفلسطينية والعربية بشكل غير قانوني، وبناء المستوطنات غير القانونية لإنشاء “حقائق دائمة على الأرض”.
في عام 2017، بدا الأمر وكأن إسرائيل نجحت في مساعيها لإلغاء القضية الفلسطينية تمامًا عندما اعترفت واشنطن بمطالبات إسرائيل الاحتيالية بالقدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان. لكن المجتمع الدولي لم يحذو حذوها، كما يتضح من الحكم القانوني الأخير لمحكمة العدل الدولية. وفيما يتعلق بالأمم المتحدة، تظل إسرائيل قوة احتلال ملزمة بالقوانين والأعراف الدولية.
ولكن بالنسبة للفلسطينيين، تظل هذه الحقائق خالية من المعنى العملي، بينما يشكل موقف الأمم المتحدة بالنسبة لإسرائيل عقبة رئيسية في وجه مشروعها الاستيطاني الاستعماري الصارخ. ولهذا السبب يريد أردان “محو الأمم المتحدة من على وجه الأرض”. وحتى لو تحققت رغبة الدبلوماسي الإسرائيلي الغاضب، فلن يغير شيء هذه الحقيقة التاريخية: إسرائيل كانت وستظل نظامًا استعماريًا استيطانيًا، وستواصل فلسطين وشعبها المقاومة، حتى يتم تحقيق العدالة أخيرًا.
رأي: تحول استراتيجي: هل تعود الفصائل الفلسطينية إلى “الهجمات الاستشهادية” داخل إسرائيل؟
الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.


يرجى تفعيل JavaScript لعرض التعليقات.