قمع الآراء المخالفة في تونس: حبس نائب بتهمة السخرية من الرئيس
تونس، 19 فبراير (رويترز) – في تطور يثير قلق المدافعين عن الحريات، قضت محكمة تونسية يوم الخميس بسجن النائب أحمد سعيّداني لمدة ثمانية أشهر على خلفية نشره لمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي سخر فيها من الرئيس قيس سعيّد. يعتبر هذا الحكم دليلاً جديداً على ما يصفه المعارضون بأنه حملة قمع متزايدة ضد الأصوات المعارضة في البلاد، مما يزيد من الضغوط على حرية التعبير.
كان سعيّداني، المحسوب في السابق على داعمي سياسات الرئيس ضد خصومه السياسيين، قد تحول إلى منتقد صريح، متهماً الرئيس بمحاولة احتكار جميع جوانب صنع القرار، بينما يتجرع الآخرون مرارة الأخطاء والمشاكل. وقد تم اعتقال النائب بتهمة “إهانة الآخرين عبر شبكات الاتصال”، حسبما أفاد مسؤول قضائي.
خلفيات الاعتقال والتهم الموجهة للنائب
جاء اعتقال النائب أحمد سعيّداني هذا الشهر بعد أن نشر على صفحته في فيسبوك تعليقات سخر منها الرئيس، واصفاً إياه بـ “القائد الأعلى لصرف مياه الأمطار والسيول”. هذه الواقعة تسلط الضوء على التوترات المتزايدة بين السلطة التنفيذية وبعض أعضاء البرلمان الذين يحاولون ممارسة دورهم الرقابي.
يعتبر زملاء سعيّداني أن هذا الاعتقال يمثل انتهاكاً للقانون وهجوماً على المؤسسات. ويقول بلال مشري، زميل سعيّداني، في تصريح لرويترز: “كيف يمكن للبرلمان مساءلة السلطة التنفيذية إذا تم تنفيذ اعتقال غير قانوني بسبب آراء نقدية؟”. هذا السؤال يعكس القلق بشأن قدرة المؤسسات التشريعية على أداء مهامها في ظل التقييدات المفروضة.
السياق السياسي العام: أزمة ثقة وتناقص المشاركة
انتخب سعيّداني عضواً في البرلمان في نهاية عام 2022، وذلك في انتخابات شهدت نسبة إقبال منخفضة جداً. جاء ذلك بعد قرار الرئيس سعيّد بحل البرلمان السابق وإقالة الحكومة في عام 2021. منذ ذلك الحين، أصبح الرئيس يحكم بالمراسيم، وهي خطوات يصفها المعارضة بأنها “انقلاب”.
وقد شهدت تونس موجة اعتقالات شملت العديد من قادة المعارضة، وصحفيين، ونشطاء، وكل من يُنظر إليهم كمنتقدين للرئيس سعيّد.
تونس كـ “سجن مفتوح”: تقارير حقوقية
تؤكد منظمات حقوقية على أن الرئيس سعيّد قد رسّخ حكمه الفردي، محولاً تونس إلى ما وصفته بـ “سجن مفتوح” في محاولة لقمع خصومه. ويرى هؤلاء أن النهج الحالي يقوض مكتسبات الثورة والديمقراطية.
من جانبه، يدافع الرئيس سعيّد عن أفعاله، مؤكداً أنه يطبق القانون ويسعى إلى “تطهير” البلاد من الفساد والفاسدين. لكن هذه المبررات لا تقنع المعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان.
تأثير الحكم على حرية التعبير
يعكس حكم سجن النائب أحمد سعيّداني قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل حرية التعبير في تونس. إن استخدام القوانين المتعلقة بإهانة الآخرين لمحاسبة المنتقدين يمكن أن يخلق مناخًا من الخوف يدفع الأفراد إلى الصمت.
إن الدور الأساسي للبرلمان هو مراقبة أداء الحكومة والتعبير عن آراء المواطنين، بما في ذلك الآراء النقدية. عندما يتم تقييد قدرة النائب على التعبير عن رأيه بحرية، فإن ذلك يضعف العملية الديمقراطية ككل.
المطالبة بالإفراج والضغوط الدولية
يطالب العديد من النشطاء السياسيين بمنظمات المجتمع المدني بالإفراج الفوري عن النائب سعيّداني، معتبرين أن سجنه يمثل سابقة خطيرة. كما يتزايد الضغط الدولي على الحكومة التونسية لضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
تتجه الأنظار الآن نحو الخطوات المستقبلية التي ستتخذها السلطات التونسية، وما إذا كانت ستستجيب للمخاوف المتزايدة بشأن تدهور مؤشرات الحريات في البلاد. إن مستقبل الديمقراطية في تونس يعتمد بشكل كبير على قدرتها على استيعاب الآراء المختلفة واحترام حق التعبير.
ختاماً: الحاجة إلى حوار بناء
إن قضية النائب أحمد سعيّداني ليست مجرد حدث فردي، بل هي مؤشر على تحديات أعمق تواجه تونس في مسارها السياسي. فالحفاظ على استقرار البلاد وازدهارها يتطلب بالضرورة تعزيز الثقة بين المواطنين والحكومة، وتشجيع الحوار البناء، وضمان حماية الحريات الأساسية. على السلطات التونسية أن تدرك أن القمع لن يؤدي إلا إلى تفاقم الاستياء وزيادة التوتر، وأن الحلول تكمن في تعزيز المؤسسات الديمقراطية سيادة القانون.

