يحتضن الصومال لحظة حاسمة في تاريخه الحديث وهو يستعد للانتقال من عقود من تقاسم السلطة على أساس العشائر إلى نظام ديمقراطي شامل يقوم على الاقتراع العام. إن تبني البلاد لنموذج “شخص واحد، صوت واحد” لا يمثل تحولاً فنياً في الحكم فحسب، بل يمثل إعادة تعريف عميقة لديناميكيات السلطة والمساواة والوحدة الوطنية. بالنسبة للشباب الصومالي – غالبية السكان – فإن هذا التحول لا يمكن أن يأتي في وقت أكثر أهمية.
“التحرر من الماضي”
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل الصومال يعمل في ظل إطار سياسي قائم على العشيرة، حيث كانت القرارات تمليها مصالح مجموعة ضيقة وليس الإرادة الجماعية للشعب. وبينما وفر هذا النظام الاستقرار خلال الأوقات المضطربة، فإنه أدى أيضًا إلى ترسيخ الانقسامات وعرقلة التقدم الاجتماعي والاقتصادي. تشير الموافقة الأخيرة على اللجنة الانتخابية المستقلة والإصلاحات الدستورية إلى نية تفكيك هذا الهيكل الذي عفا عليه الزمن، مما يمهد الطريق لشكل أكثر شمولاً وتمثيلاً للحكم.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة للشباب الصومالي، الذين وجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان مستبعدين من المشاركة الهادفة في صنع القرار الوطني. وكانت السياسات العشائرية، مع تركيزها على النسب وليس الجدارة، سبباً في نفور جيل من الأفراد الطموحين والموهوبين. ومع ذلك، فإن الاقتراع العام يعيد السلطة إلى الشعب، والأهم من ذلك، إلى الشباب. فهو يوفر لهم الأدوات اللازمة لتحديد قادتهم والتأثير على السياسات التي ستشكل مستقبلهم.
“الشباب كعوامل للتغيير”
ومن المتوقع أن يستفيد الشباب الصومالي، الذين يشكلون أكثر من 70 في المائة من السكان، من هذا التحول. ومن خلال منحهم صوتًا مباشرًا في الانتخابات، تمكنهم الإصلاحات من التحرر من دورات التهميش السياسي. ولن تعد المشاركة المدنية بين الشباب طموحا بعيد المنال، بل واقعا ملموسا. وهذا التمكين ليس رمزيا فحسب، بل إنه يضع الشباب في طليعة تشكيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الصومال.
علاوة على ذلك، يعزز النظام الديمقراطي المساءلة والشفافية. وسوف يضطر المسؤولون المنتخبون، الذين يدركون أنهم مسؤولون أمام فئة ديموغرافية من الشباب المطلعين والنشطين، إلى إعطاء الأولوية للسياسات التي تعالج القضايا الرئيسية مثل التعليم والتوظيف والبنية التحتية. ومن الممكن أن تعمل هذه المساءلة على تحفيز موجة من التنمية والإبداع، يقودها قادة شباب يستثمرون بعمق في نجاح البلاد.
يقرأ: تركيا والصومال توقعان مذكرة تفاهم جديدة بشأن استكشاف الطاقة
“تحديات على الطريق أمامنا”
على الرغم من هذه التطورات المتفائلة، فإن الطريق إلى الاقتراع العام محفوف بالتحديات. لا يزال النظام السياسي في الصومال هشاً، ولا تزال الانقسامات القائمة على أساس عشائري عميقة الجذور. إن ضمان نزاهة الانتخابات وتعزيز الثقة في المؤسسات الديمقراطية ومكافحة التضليل هي عقبات حاسمة يجب معالجتها.
وبالإضافة إلى ذلك، يتعين على الصومال أن تستثمر في التثقيف المدني لتزويد مواطنيها ــ وخاصة الناخبين الشباب ــ بالمعرفة اللازمة للمشاركة بشكل هادف في الانتخابات. وبدون هذه الجهود، فإن الوعد بالديمقراطية يصبح عرضة للتقويض بسبب اللامبالاة أو التلاعب. وسيلعب الوصول إلى التكنولوجيا والمنصات الرقمية أيضًا دورًا رئيسيًا في إشراك الشباب وتسهيل اتخاذ القرارات المستنيرة في هذا العصر الرقمي.
“فصل جديد في الصومال”
وباعتبارها واحدة من أولى الديمقراطيات في أفريقيا، فإن الصومال تتمتع بتاريخ حافل من الحكم الذي يظل مصدراً للفخر والقدرة على الصمود، على الرغم من تعطله. إن التحرك نحو الاقتراع العام يؤكد من جديد التزام الصومال باستعادة تراثه الديمقراطي. بالنسبة للشباب، هذه أكثر من مجرد فرصة للتصويت – إنها فرصة لإعادة تعريف ما يعنيه أن تكون صوماليًا في القرن الحادي والعشرين.
ومن خلال المشاركة في العملية الديمقراطية، سيصبح الشباب الصومالي مهندسي مصيرهم، ويشكلون السياسات التي تعكس آمالهم وتطلعاتهم. وسوف يقومون بتفكيك الحواجز التي أعاقت التقدم لفترة طويلة، وسيقودون الصومال إلى عصر السلام والازدهار والوحدة. إن حق الاقتراع العام ليس مجرد حدث سياسي فارق؛ إنها صحوة للأجيال، ودعوة للشباب للمطالبة بمكانتهم الصحيحة كقادة وأصحاب رؤى.
إن مستقبل الصومال مشرق، ولكنه يعتمد على رغبة شبابه في احتضان التحديات والفرص التي توفرها الديمقراطية.
يقرأ: سفينة التنقيب التركية تصل قبالة الصومال للبحث عن النفط والغاز
الآراء الواردة في هذا المقال مملوكة للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لميدل إيست مونيتور.


الرجاء تمكين جافا سكريبت لعرض التعليقات.