تآكل التحالفات الأمريكية: إرث حرب ترامب مع إيران؟
تشير التطورات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثل سحب بعض القوات من ألمانيا وتهديداته بسحب قوات أخرى من أوروبا، بالإضافة إلى التقليل من شأن الهجمات الإيرانية الأخيرة على شريك خليجي مهم، إلى إرث دائم محتمل للحرب مع إيران: تآكل العلاقات مع الحلفاء الرئيسيين. حتى مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من إنهاء الحرب، أعادت كلمات وأفعال ترامب إحياء المخاوف لدى أصدقاء واشنطن طويلي الأمد، من أوروبا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى منطقة الهند والمحيط الهادئ، من أن الولايات المتحدة قد لا تكون موثوقة في أزمة مستقبلية.
تداعيات سحب القوات الأمريكية وتصدع العلاقات الأوروبية
يمثل قرار الرئيس ترامب بسحب 5000 جندي من ألمانيا، البالغ عددهم 36400 جندي أمريكي متمركزين هناك، زلزالاً جديداً في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. جاء هذا القرار بعد أن انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرز علناً ما وصفه بـ”إهانة” الإيرانيين للولايات المتحدة، وهي تصريحات يبدو أنها أغضبت ترامب. القرار لم يقتصر على سحب القوات، بل امتد ليشمل إلغاء نشر صواريخ كروز من طراز “توماهوك” كانت مقررة إلى ألمانيا.
لم تأتِ هذه الخطوات من فراغ، فلطالما شكك ترامب في جدوى بقاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي ساعدت في إنشائه. كما أعرب عن نيته خفض القوات الأمريكية في إيطاليا وإسبانيا، وهما دولتان تختلف قياداتهما مع واشنطن بشأن الحرب مع إيران.
خلافات حول الدعم العسكري وسياسات ترامب الحمائية
تتفاقم التوترات بين ترامب والأوروبيين بشكل خاص منذ الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير، والذي ادعى فيه ترامب، دون تقديم أدلة، أن طهران تقترب من تطوير سلاح نووي. أدى رد إيران بإغلاق مضيق هرمز إلى صدمة عالمية في مجال الطاقة، مما جعل الدول الأوروبية من بين أكبر الخاسرين اقتصاديًا من حرب لم تطلبها.
حتى قبل ذلك، كان ترامب قد أثار قلق الحلفاء بفرض تعريفات جمركية واسعة، ومحاولة شراء جرينلاند من الدنمارك، وتقليص المساعدات العسكرية لأوكرانيا.
أمريكا وحلفاؤها: عبء الثقة المتزايد
وصف بريت بروين، المستشار السابق في إدارة أوباما ورئيس استشارات “ذا سيشن روم” الاستراتيجية، سلوك ترامب بأنه “غير مسؤول فيما يتعلق بإيران”، مما يؤدي إلى “تحولات دراماتيكية”. وأضاف بروين: “مصداقية الولايات المتحدة على المحك”.
من جانبهم، يعتبر بعض المحللين أن هذه التحركات تمثل إشارة واضحة لأوروبا للاستثمار المزيد في أمنها الخاص. ومع ذلك، فإن القادة الأوروبيين يبدون مستعدين لـ”مواجهة الضربات” في الوقت الحالي، حيث لا يزال لديهم خيارات محدودة كـ”قوى متوسطة” ويعتمدون على الولايات المتحدة للردع الاستراتيجي ضد أي هجوم محتمل من روسيا.
استراتيجيات جديدة للحلفاء في ظل عدم اليقين الأمريكي
في محاولة لتخفيف حدة الموقف، تؤكد المسؤولون الأوروبيون بهدوء على أن العديد من دولهم تسمح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها وأجوائها خلال حملة إيران. لكن القادة الأوروبيين، الذين لجأ بعضهم إلى “الإطراء” مع ترامب لتخفيف الأزمات السابقة، أصبحوا أكثر وعيًا بتكتيكاته التفاوضية وأكثر جرأة في مواجهته.
يقول جيف راثكي، رئيس المعهد الأمريكي الألماني بجامعة جونز هوبكنز، إن المستشار الألماني ميرز، الذي كان يبدو مسيطرًا على ترامب في اجتماعات سابقة، “لم يعد يحاول إخفاء تقييمه النقدي لما وقعت فيه الولايات المتحدة”.
تأثيرات الحرب على العلاقات مع دول خارج أوروبا
لا تقتصر الضغوط على التحالفات الأمريكية على أوروبا وحدها. فعندما شنت إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على الإمارات العربية المتحدة، حليف وثيق للولايات المتحدة، بدا أن ترامب ومساعديه “يتجاهلون” الأمر، مما أثار قلقًا إضافيًا لدى دول الخليج العربي التي تضررت بالفعل من الحرب.
كان ترامب سريعًا في وصف الضربة بأنها “طفيفة”، على الرغم من أنها أدت إلى اشتعال ميناء الفجيرة النفطي الهام واضطرت الحكومة إلى إغلاق المدارس. وحرص على الإصرار على أن وقف إطلاق النار الذي دام شهراً لا يزال صامداً، حتى بعد هجمات إضافية في وقت لاحق من الأسبوع.
تثير الحرب أيضًا قلق الشركاء الآسيويين، الذين يعتمد الكثير منهم على النفط الذي كان يتدفق بحرية عبر المضيق قبل الصراع. وقد شعرت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية بالقلق بالفعل بسبب تعريفات ترامب الجمركية العالية وانتقاداته للتحالفات التقليدية. قد يتساءل البعض الآن عما إذا كانت نقطة الضعف التي أظهرها أمام الضغوط الاقتصادية في الداخل، بما في ذلك ارتفاع أسعار البنزين، قد تعني أن ترامب قد يتردد في المساعدة في نزاع مع الصين، مثل غزو تايوان.
رؤى جيوسياسية: الصين وروسيا تستغلان الديناميكيات المتغيرة
يشعر الخبراء بالقلق من أن استخدام ترامب لـ”القوة الغاشمة” في حرب اختيارية ضد إيران، بعد أسابيع قليلة من غارة أمريكية في كاراكاس أسفرت عن القبض على رئيس فنزويلا، قد يشجع الصين وروسيا على تكثيف تحركاتهما القسرية ضد جيرانهما.
استفادت روسيا، وهي منتج رئيسي للطاقة، من ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي التي غذتها حرب إيران، بالإضافة إلى انشغال الولايات المتحدة وأوروبا عن الحرب في أوكرانيا. وبينما أثرت أزمة إيران على إمدادات الطاقة للصين، قد تكون بكين قد تعلمت دروسًا من خلال رؤية الولايات المتحدة تضطر إلى تحويل الأصول العسكرية من منطقة الهند والمحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، وكيف تم تفوق القوات المسلحة الأكثر قوة في العالم في بعض الأحيان على التكتيكات غير المتكافئة مثل الطائرات بدون طيار الرخيصة.
كما انتهزت الصين الفرصة للترويج لنفسها كشريك عالمي أكثر موثوقية من ترامب غير المتوقع، الذي من المقرر أن يزور بكين الأسبوع المقبل.
خاتمة: مستقبل التحالفات الأمريكية على المحك
في الوقت الذي يدق فيه بعض القادة الأوروبيين ناقوس الخطر بشأن مستقبل الناتو، يقول وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي إنه لا داعي للذعر طالما أن أوروبا تلتزم بزيادة الإنفاق العسكري المعلن، وهو ما طالب به ترامب منذ فترة طويلة. ومع ذلك، فإن الضغوط على التحالفات الأمريكية تمتد إلى ما وراء أوروبا.
بغض النظر عن النتائج قصيرة المدى للحرب مع إيران، فإن إرث ترامب في تآكل الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين يبدو أنه سيمد بظلاله لفترة طويلة، مما قد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي.

