في تطورات متسارعة، بدأت الولايات المتحدة بنقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المحتجزين في شمال شرق سوريا إلى العراق، بالتزامن مع استعادة الجيش السوري السيطرة على مناطق كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية. هذا التحرك يثير تساؤلات حول مستقبل المعتقلين والأوضاع الأمنية في المنطقة، ويشكل تحولاً ملحوظاً في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. نقل معتقلي داعش يأتي في وقت حرج، مع تصاعد التوترات وتغير التحالفات على الأرض.
تصعيد النقلات وتأثيرها على الأمن الإقليمي
أعلن قيادة القوات المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن نقل حوالي 150 معتقلاً من داعش من منشأة في محافظة الحسكة إلى مواقع آمنة في العراق. وتوقعت القيادة أنه “في نهاية المطاف، قد يصل عدد المعتقلين المنقولين من سوريا إلى العراق إلى 7000”. هذا الإجراء يهدف بشكل أساسي إلى منع أي خروج عن السيطرة للمعتقلين، والذي قد يمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة والأمن الإقليمي.
وتشير التقارير إلى أن المعتقلين المنقولين ينتمون إلى جنسيات مختلفة، بما في ذلك حوالي 240 تونسيًا، بالإضافة إلى آخرين من طاجيكستان وكازاخستان. هذا التنوع في الجنسيات يضيف تعقيداً إضافياً لعملية التعامل مع هؤلاء المعتقلين، ويتطلب تنسيقاً دولياً لضمان محاكمتهم أو إعادة تأهيلهم بشكل مناسب.
استعادة الجيش السوري للسيطرة على مناطق الشمال الشرقي
تزامن نقل معتقلي داعش مع تقدم الجيش السوري في مناطق شمال شرق سوريا، واندلاع اشتباكات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). الجيش السوري استعاد السيطرة على مخيم الهول، الذي يضم حوالي 24 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم داعش، بما في ذلك حوالي 14500 سوري ونحو 3000 عراقي. كما سيطر على سجن الشدادي في وقت سابق من هذا الأسبوع.
هذا التقدم السوري يمثل ضغطاً كبيراً على قسد، التي كانت تعتبر خط الدفاع الرئيسي ضد داعش في سوريا. وتواجه قسد حالياً دعوات متزايدة للاندماج مع الحكومة المركزية في دمشق، لكن المفاوضات ووقف إطلاق النار المتعددة باءت بالفشل في الأيام الأخيرة، مما دفع الجيش السوري إلى توسيع سيطرته على المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد.
اتهامات متبادلة حول إطلاق سراح المعتقلين
اتهمت الحكومة السورية قسد بإطلاق سراح أعضاء في تنظيم داعش من سجن الشدادي بشكل متعمد، واعتبرت ذلك بمثابة “ابتزاز سياسي”. في المقابل، نفت قسد هذه الاتهامات. وذكرت وزارة الداخلية السورية أنها أعادت القبض على 81 من أصل 120 معتقلاً فروا من السجن. هذه الأحداث تزيد من حالة عدم الثقة بين الطرفين، وتجعل عملية التوصل إلى حل سياسي أكثر صعوبة.
نهاية الشراكة الأمريكية مع قسد؟
أعلن المبعوث الأمريكي توم باراك هذا الأسبوع أن الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة وقسد “انتهت إلى حد كبير”، مضيفاً أن الحكومة السورية ستكون الشريك الرئيسي لواشنطن في مكافحة تنظيم داعش. هذا التصريح يمثل تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية، ويعكس اعترافاً بالواقع الجديد على الأرض.
قسد لعبت دوراً محورياً في الهزيمة الإقليمية لتنظيم داعش عام 2019، وأدارت آلاف المعتقلين بعد ذلك. لكن مع تراجع الدعم الأمريكي، وجدت قسد نفسها تحت ضغط متزايد للاندماج مع الحكومة السورية.
اتفاق وقف إطلاق النار وتوقعات المستقبل
تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع دمشق يوم الثلاثاء، يمنح قسد أربعة أيام لإجراء مشاورات داخلية وتطوير آلية عملية للاندماج مع القوات الحكومية. وبموجب هذا الاتفاق، من المتوقع أن تسلم قسد سجوناً ومعسكرات اعتقال تحتجز أعضاء في تنظيم داعش وعائلاتهم، بالإضافة إلى بنية تحتية رئيسية أخرى، بما في ذلك حقول النفط.
تشير تقارير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن هناك ما يقدر بنحو 9000 شخص متهمين بالانضمام إلى تنظيم داعش لا يزالون قيد الاحتجاز في منشآت تسيطر عليها قسد، بما في ذلك 1600 عراقي و 1800 من جنسيات أخرى خارج سوريا والعراق.
مستقبل معتقلي داعش يظل غير واضح، لكن نقل معتقلي داعش إلى العراق يمثل خطوة مهمة نحو معالجة هذه القضية المعقدة. من الضروري أن يكون هناك تنسيق دولي فعال لضمان التعامل مع هؤلاء المعتقلين بشكل قانوني وإنساني، ومنع عودتهم إلى ساحة القتال. بالإضافة إلى ذلك، يجب على المجتمع الدولي تقديم الدعم اللازم للعراق وسوريا لمساعدتهما على التعامل مع التحديات الأمنية والإنسانية المرتبطة بتنظيم داعش. الوضع يتطلب مراقبة دقيقة وتحليلاً مستمراً لضمان استقرار المنطقة ومنع تجدد الإرهاب.

