لقد جلبت أكثر من عشرة أشهر من المجازر والتدمير والتطهير العرقي في قطاع غزة إلى الأخبار موضوعات كانت حتى ذلك الحين مقتصرة على الأوساط الأكاديمية والدوائر الصغيرة. هناك دائمًا حديث عن “النظام الصهيوني” أو “الاحتلال الصهيوني” لإسرائيل، وهو مزيج من الدولة والجيب الاستعماري والكيان الصهيوني. لقد أظهرت تصرفات إسرائيل للعالم الوجه الحقيقي للصهيونية، تلك الأيديولوجية العنصرية التي تشبه النازية في أساليبها وأفعالها، ليس في فلسطين فحسب، بل وفي مناطق مختلفة من العالم.
ولنتبين أن الصهيونية واليهودية شيئان مختلفان. فممارسة هذا الدين العريق المحترم لا علاقة لها بالإيديولوجية التي ولدت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر. وكون المرء ممارساً لليهودية لا يلزم أتباعه بالممارسات الفاشية للصهيونية، التي استولت على اليهودية كوسيلة لدعم أطروحاتها العنصرية والتفوقية عندما نعلم أن ليس كل اليهود صهاينة أو يؤيدون فظائع إسرائيل.
في نهاية المطاف، ما هي الصهيونية، هذه الأيديولوجية الاستعمارية، العنصرية، الأصولية، المتطرفة، القومية المتطرفة، المعادية للأجانب، القاتلة، المعادية للعرب، المعادية للإسلام، المعادية للمسيحية، المعادية للسامية، الإبادية الجماعية، قاتلة الأطفال، التدخلية، التوسعية، العسكرية، تاجر الأعضاء البشرية؟
رأي: الحديث عن فلسطين مع استبعاد الفلسطينيين
نشأت الحركة الصهيونية على فكر مؤسسها تيودور هرتزل، وهو صحفي يهودي من أصل نمساوي مجري، ينحدر من عائلة مصرفية، ومدافع عن سلسلة من الأطروحات الخيالية، من بينها: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. وتستند الصهيونية إلى النظرية التي دافع عنها هرتزل في كتابه الصادر عام 1896 بعنوان “أرض بلا شعب”. الدولة اليهودية، بوجود دولة قومية يهودية مستقلة وذات سيادة في المنطقة التي كانت ستوجد فيها “مملكة إسرائيل” الخيالية.
وعلى النقيض مما يتفاخر به المدافعون عنها، فإن الصهيونية ليست حركة تسعى إلى استقلال إسرائيل، لأن إسرائيل لم تكن موجودة قط. ولم يكن هناك نضال ضد الاستعمار، بل احتلال استعماري لفلسطين، من خلال إعلان دولة إسرائيل في عام 1948.
إن إسرائيل، وهي صنيعة الصهيونية المروعة، ليست مجرد فزاعة من صنع الإمبريالية الأميركية والأوروبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل هي التعبير الأكثر قسوة وعاراً عن النموذج الحضاري للإمبريالية، والوظيفة الأساسية لها هي العمل كذراع تنفيذية للتوسع الاستعماري الأكثر وحشية في الولايات المتحدة وأوروبا.
إن المنظمات التي تدعم جرائم إسرائيل تستخدم دائما الاتهامات الزائفة بمعاداة السامية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والسيادة الفلسطينية. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تم اتهام العديد من الأشخاص والكيانات وملاحقتهم قضائيا في حملة قذرة شنها الصهاينة.
إن أصحاب نصف الحقيقة هؤلاء لا يمانعون في إخبارك من هم الساميون. فالناس يقنعون أنفسهم بأن الساميين هم اليهود فقط، في حين أن الساميين في الواقع هم أتباع الديانات الإبراهيمية، مثل العبرانيين (اليهود)، والعرب (المسيحيين والمسلمين)، والآشوريين (المسيحيين)، وغيرهم من الشعوب التي نشأت في شمال شبه الجزيرة العربية، وليس اليهود فقط.
إن معاداة السامية هي واحدة من أكثر أشكال العنصرية إثارة للاشمئزاز.
إن الاتهامات المغرضة بمعاداة السامية لم تعد مقبولة في مختلف أنحاء العالم لأن هشاشتها السياسية والأيديولوجية قد انكشفت. وقد استُخدمت تهمة معاداة السامية لترهيب منتقدي جرائم إسرائيل أو لتعقيم المناقشة وتحويل الانتباه عن المشاكل الحقيقية، في حين أنه من المعروف أن الفلسطينيين وحركات التضامن ترفض بشدة السرديات الدينية أو الطائفية للنضال ضد الاحتلال، وتدين أي شكل من أشكال الاضطهاد أو إنكار الحقوق، سواء لليهود أو العرب – مسيحيين ومسلمين – أو أي شخص أو مجموعة أخرى.
إن الحالة الأكثر وضوحا هي الاضطهاد المتواصل والجبان الذي مارسته المنظمات الواجهة لدولة إسرائيل الإرهابية في البرازيل ضد الصحفي برينو ألتمان، الذي أدانه قاضي المحكمة الابتدائية بحكم غير موات في قضية الإصابة الجنائية، وكانت “جريمته” هي مواجهة شركاء أخلاقيين للدولة الأكثر فسادا على وجه الأرض.
وتعمل هذه الكيانات كوكالات لإسرائيل ووكالات استخباراتها، وتتصرف وفقا لإملاءات رؤسائها في تل أبيب لملاحقة المدافعين عن العدالة والحقوق والتعويض للشعب الفلسطيني، الضحية الدائمة لجرائم الإنسانية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، والتي تهدف إلى إبادة السكان الفلسطينيين لإدامة الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي.
منذ ثمانية أشهر بالضبط، تشن إسرائيل حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مستخدمة كل قدراتها وكل أنواع الأسلحة والذخائر والقنابل المحرمة دوليا، وتقصف المدارس والمستشفيات والمناطق المحمية بالقانون الإنساني الدولي دون تمييز.
ورغم كل القوة والمساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة، التي أرسلت بالفعل أكثر من 50 ألف طن من المعدات العسكرية، بما في ذلك المركبات المدرعة والأسلحة والذخائر ومعدات الحماية والإمدادات الطبية، فإن إسرائيل شعرت بالإذلال أمام تصرفات المقاومة الفلسطينية في عملية “طوفان الأقصى”، في دليل واضح على عدم قدرتها على كسب الحرب ضد حماس وحزب الله، لا بسرعة ولا في أي وقت.
إن إسرائيل وعملائها يدركون أنهم خسروا بالفعل المعركة في غزة ولبنان والرأي العام العالمي. والإنجازات الوحيدة التي تستطيع إسرائيل أن تفخر بها هي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والقتل الجماعي للأطفال والنساء وتدمير البنية الأساسية والقضاء على جميع جوانب الحياة في قطاع غزة. وفي مواجهة هذا الفشل الذريع، فإن ما تبقى لهم هو اضطهاد أولئك الذين وضعوا أنفسهم على الجانب الصحيح من التاريخ.
رأي: هل الولايات المتحدة طرف مناسب للقيام بدور الوساطة في غزة؟
الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.


يرجى تفعيل JavaScript لعرض التعليقات.