أثار مقتل مواطن فلسطيني في النقب نهاية الأسبوع الماضي موجة غضب واستياء، وتزامنت الحادثة مع تصاعد وتيرة المداهمات العنيفة وما وصفه السكان بـ “التحريض” من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير. وتأتي هذه الأحداث في سياق التوترات المتصاعدة بين السلطات الإسرائيلية والمواطنين الفلسطينيين في الداخل المحتل.
مقتل محمد حسين الطرابين في النقب: تفاصيل الحادثة والاتهامات المتبادلة
قُتل محمد حسين الطرابين (35 عامًا)، وهو أب لسبعة أطفال، بعد مداهمة الشرطة الإسرائيلية لمنزله في قرية الطريبين الصّناعية (تيرابين أل-سانا) في النقب. وفقًا لعائلته، أطلق الأمن الإسرائيلي النار على الطرابين بعد فتحه باب منزله. ووصفت العائلة الحادثة بأنها “قتل بدم بارد”.
وروى الابن الأكبر للطريبين، البالغ من العمر 11 عامًا، تفاصيل مروعة لما شهده: “طرقوا الباب. كنت مستيقظًا. فتح أبي الباب، وفورًا أطلقوا عليه النار في صدره”. وأضاف: “سحبوا أبي إلى الشرفة، وأزالوا بنطاله، وبدأوا بتفتيش المنزل بينما كان ملقى على الأرض. بعد ذلك قاموا بتنظيف آثار الدم من غرفة المعيشة عند المدخل”.
في بيان أولي، ادعت الشرطة الإسرائيلية أن الطرابين “عرّض أفراد الشرطة للخطر خلال العملية” وأنه تم إطلاق النار عليه نتيجة لذلك. وادعت الشرطة أيضاً أن الطرابين كان مشتبهاً به في إضرام النيران بالسيارات في قرى يهودية قريبة. لكن العائلة نفت هذه الاتهامات بشكل قاطع، مشيرة إلى أن هذا مجرد تبرير للقتل.
ردود الفعل الرسمية وتصعيد الموقف
فور وقوع الحادثة، سارع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير للدفاع عن الشرطة الإسرائيلية والإشادة بعملها، معلنًا أن “ما قام به هو الصواب” مشيدًا بـ “المقاتلين الذين اتخذوا إجراءات”. وكتب بن غفير على منصة X (تويتر سابقًا) “أُثني على المقاتلين الذين تصرفوا، وهم يتمتعون بدعمي الكامل”. هذا الدعم العلني من قبل بن غفير أثار غضبًا واسعًا، واعتبره البعض بمثابة تشجيع على العنف ضد المواطنين الفلسطينيين.
في تطور لافت، تم استجواب الضابط الذي أطلق النار على الطرابين بشبهة إطلاق النار بشكل غير قانوني، قبل إطلاق سراحه ووضعه قيد الإقامة المنزلية لمدة خمسة أيام، بينما فتحت الشرطة تحقيقًا داخليًا في الحادثة. هذه الخطوات، وإن كانت تشير إلى وجود مساءلة داخل الشرطة، إلا أنها لم ترضِ معارضي هذه السياسة، الذين يرون أنها خطوات محدودة ولا تعكس جدية في التعامل مع قضايا العنف ضد الفلسطينيين.
مداهمات واسعة النطاق في النقب: حملة قمع أم مكافحة جريمة؟
تأتي وفاة الطرابين في خضم حملة قمع واسعة النطاق تستهدف المواطنين الفلسطينيين في النقب منذ ما يقرب من أسبوعين. وتشمل هذه الحملة عمليات دهم واعتقال، وغرامات مالية، وأوامر هدم للمنازل. لكن تساؤلات كثيرة تطرح حول أهداف هذه الحملة، وخصوصًا مع تصاعد الاتهامات بأنها تهدف إلى “إعادة بسط السيادة” و “إعادة فرض القانون والنظام” على المجتمعات الفلسطينية في النقب.
ويعتقد الكثيرون أن هذه الحملة هي جزء من سياسة أوسع تهدف إلى تهميش وقمع الفلسطينيين في الداخل المحتل. يرى المواطنون الفلسطينيون أن بن غفير يستغل هذه المداهمات الاستفزازية لتعزيز شعبيته ودعمه الانتخابي، متهمين إياه بالتحريض على العنف.
تصعيد الموقف وتنديد واسع النطاق
أدانت اللجنة العليا المتابعة للجماهير العربية في الداخل المحتل بشدة مقتل الطرابين، وطالبت بوقف “المداهمات والحصار والعقاب الجماعي” في قرية الطريبين الصّناعية. وأضافت أن الحادثة “كشفت عن زيف ادعاءات الشرطة الإسرائيلية بإنها تحارب الجريمة”. ووصفت اللجنة العليا المتابعة الشرطة الإسرائيلية بأنها “هي التي ترتكب الجريمة والعنف، وتقوم بحملة غير مسبوقة من الترويع والإرهاب والانتقام”.
كما انتقدت اللجنة العليا المتابعة موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والحكومة الإسرائيلية بشكل عام، متهمة إياهم بعدم الاعتراف بحقوق الإنسان للمواطنين الفلسطينيين. قال جمال زحالقة، رئيس اللجنة، في تغريدة له: “كما هو الحال دائمًا، أصدر الوزير الفاشي إيتمار بن غفير بيانًا يدعم القتل والقتلة، ويكرر الأكذوبة المألوفة بأن حياة أفراد الشرطة كانت في خطر”. وأضاف زحالقة أن الطرابين، وهو أب لسبعة أطفال ويمتلك متجرًا، كان بريئًا، رافضًا الادعاءات التي نسبت إليه. واتهم الشرطة الإسرائيلية بـ “ارتكاب جريمة قتل متعمدة”، مشيرًا إلى أن “نهجهم دموي، ولا يرغبون في إنهاء حملتهم في الطريبين الصّناعية حتى يسيل الدم”.
سياق تاريخي: فلسطينيّو الداخل والتمييز المستمر
من المهم فهم السياق التاريخي لهذه الأحداث. فلسطينيّو الداخل هم أحفاد السكان الأصليين لفلسطين الذين لم يتم طردهم خلال النكبة عام 1948، وهي الفترة التي شهدت تشريد معظم الفلسطينيين من وطنهم لإقامة دولة إسرائيل. وعلى الرغم من أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، إلا أنهم يواصلون مواجهة التمييز وعدم المساواة والقمع.
هذه الحادثة ليست منعزلة، بل هي جزء من سلسلة طويلة من الاعتداءات والإهانات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الداخل المحتل. ويتطلب التعامل مع هذه القضية معالجة الأسباب الجذرية للتوتر، بما في ذلك إنهاء الاحتلال، واحترام حقوق الفلسطينيين، وتوفير المساواة الكاملة أمام القانون. النيقب يشهد تصاعدًا ملحوظًا في التوترات، ويتطلب تدخلًا عاجلًا لمنع تفاقم الأوضاع. من الضروري أيضًا إلقاء الضوء على قصص العنف ضد الفلسطينيين ورفعها إلى المحافل الدولية. تحقيق العدالة لضحايا الشرطة الإسرائيلية هو مطلب أساسي لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

