أعلنت الجيش السوري عن إغلاق الأحياء الكردية في حلب كمنطقة عسكرية مغلقة يوم الأربعاء، وسط تصاعد مستمر للعنف في المدينة. هذا الإعلان يمثل تطوراً خطيراً في العلاقة المتوترة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ويضع المدنيين في مرمى خطر متزايد. يركز هذا المقال على تفاصيل هذا التصعيد، الأسباب الكامنة وراءه، وتداعياته المحتملة على مستقبل المنطقة، مع التركيز على الأحياء الكردية في حلب.

تصعيد العنف وإغلاق الأحياء الكردية في حلب

أفادت وكالة فرانس برس بأن الجيش السوري بدأ بالفعل في قصف الأحياء المعنية بعد ظهر الأربعاء، مما يشير إلى تصعيد فوري في الأعمال العدائية. وقد أعلن الجيش في بيانه أنه سيتم فتح ممرين إنسانيين من الأحياء الخاضعة لسيطرة قسد للسماح للمدنيين بالفرار. ويأتي هذا الإجراء بعد أيام من الاشتباكات المتفرقة وتبادل القصف بين الطرفين، مما أثار مخاوف جدية بشأن سلامة المدنيين.

خلفية التوتر بين الجيش السوري وقسد

تعود جذور التوتر الحالي إلى فترة ما بعد الإطاحة بـ بشار الأسد في ديسمبر 2024، على يد تحالف بقيادة الرئيس الحالي أحمد الشراعا. قسد، التي تشكل جزءًا من تحالف سياسي يسيطر على جزء كبير من شمال شرق سوريا، وجدت نفسها في مواجهة السلطات الجديدة المدعومة من تركيا، الخصم اللدود لقسد.

تركيا تعتبر وحدات حماية الشعب (YPG)، المكون الرئيسي في قسد، امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهي منظمة مسلحة خاضت صراعًا دامًا مع تركيا لعقود. هذا التصنيف يمنح تركيا مبرراً للتدخل في الشؤون السورية، ويدفعها للضغط على الحكومة السورية من أجل تفكيك قسد.

اتهامات متبادلة وتصريحات حادة

اتهم الجيش السوري قسد بارتكاب “مذابح” ضد المدنيين في حلب وقصف المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وهي اتهامات نفتها قسد بشدة. في المقابل، اتهمت قسد الجيش السوري بـ “القصف المدمر بالمدفعية والصواريخ” على أحياءها، والتي تسيطر عليها وحدات YPG وحلفاؤها منذ عام 2012، بالإضافة إلى “استخدام الطائرات بدون طيار والنيران المباشرة من القناصة والأسلحة الثقيلة”. هذه الاتهامات المتبادلة تزيد من تعقيد الوضع وتعمق الانقسام بين الطرفين.

اتفاقية الاندماج المتوقفة

في مارس 2025، وقّع قائد قسد، مظلوم عبدي، اتفاقية تاريخية مع الرئيس الشراعا لدمج قسد في الحكومة السورية. كان الهدف من هذه الاتفاقية هو تهدئة التوترات وتوحيد البلاد، ولكن العملية توقفت بسبب عدة قضايا، بما في ذلك المسائل الدستورية وآفاق نظام حكم لامركزي في سوريا.

تركيا تصر بشدة على حل وحدات YPG وقواتها المتحالفة. وقد أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) رسميًا عن إنهاء حربه مع تركيا في مايو 2025، لكن تركيا تضغط على YPG/قسد لاتباع نفس الخطوة.

موقف تركيا المتشدد

أكد وزير الدفاع التركي، ياشار غولر، يوم الثلاثاء، على ضرورة تسليم جميع الجماعات الكردية المرتبطة بـ PKK أسلحتها “بما في ذلك في سوريا”. وأضاف في مؤتمر صحفي في أنقرة: “يجب على PKK وجميع الجماعات التابعة لها وقف جميع الأنشطة الإرهابية فورًا في المناطق التي تتواجد فيها، بما في ذلك في سوريا، وتسليم أسلحتها دون شروط.” وشدد على أن تركيا “لن تسمح لأي منظمة إرهابية – وخاصة PKK و PYD و YPG و SDF – بترسيخ قدم لها في المنطقة”. هذا التصريح يعكس الموقف التركي المتشدد تجاه أي وجود عسكري كردي في سوريا، ويؤكد على عزمها على منع ذلك بكل الوسائل.

تداعيات محتملة والبحث عن حلول

إغلاق الأحياء الكردية في حلب يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في المدينة، وربما يؤدي إلى نزوح جماعي للمدنيين. كما أنه يضعف آفاق تحقيق الاستقرار في سوريا، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة.

من الضروري إيجاد حلول سياسية شاملة تعالج مخاوف جميع الأطراف، وتضمن حقوق جميع السوريين، بما في ذلك الأكراد. يجب على المجتمع الدولي ممارسة الضغط على تركيا وسوريا للعودة إلى طاولة المفاوضات، والالتزام بتنفيذ اتفاقية الاندماج التي تم التوصل إليها في مارس 2025. كما يجب توفير الحماية للمدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين. الوضع في حلب يتطلب تحركاً سريعاً وحاسماً لتجنب كارثة إنسانية وشيكة. الوضع الأمني في سوريا بشكل عام هش، ويتطلب جهوداً متواصلة لتهدئة التوترات وتحقيق السلام الدائم. المفاوضات السياسية هي السبيل الوحيد لضمان مستقبل مستقر ومزدهر لجميع السوريين.

شاركها.
Exit mobile version