لقد مرت أكثر من عشرة أشهر منذ بدأت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس؛ بل وفي كل الأراضي الفلسطينية المحتلة. لقد قتلت إسرائيل وجرحت ما يزيد على مائة ألف فلسطيني، وآلاف آخرين في عداد المفقودين، ويُفترض أنهم ماتوا، تحت أنقاض منازلهم. ومعظم الضحايا من الأطفال والنساء.
ويتفق المراقبون عموما على أن دولة إسرائيل المارقة هي رأس الحربة في تحالف أوسع يشمل الأنظمة الغربية الكبرى التي تبنت فكرة الإبادة الجماعية ودعمتها بكل الطرق، وأبرزها إدارة بايدن في واشنطن.
ولا يقتصر الدعم الذي يقدمه “تحالف الإبادة” لدولة الاحتلال على المنصات الإعلامية فحسب، بل يتجلى أيضاً فيما قدمته إسرائيل خلال عمليات القتل الممنهجة التي تمارسها بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث شهد العالم تصعيداً في العدوان الإسرائيلي ومجازر مروعة.
وسارعت أغلب الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، إلى تبني الرواية الإسرائيلية باسم “الدفاع عن النفس”.
إن هذا الوصف خاطئ بطبيعة الحال، ولكن على الرغم من ذلك، فقد قدمت هذه الدول دعماً عسكرياً ومالياً واسع النطاق، حتى تتمكن إسرائيل من مواصلة شن حربها البربرية على الشعب الفلسطيني بهدف الإبادة والتشريد وتدمير البنية الأساسية المدنية وكل ما هو ضروري للحياة في غزة. إن هذه الدول ليست متواطئة في الإبادة الجماعية فحسب؛ بل إنها شريكة في قتل الفلسطينيين على مدار الساعة.
إن تحالف الإبادة الجماعية يسعى إلى تعزيز الهيمنة والمصالح الاستعمارية في المنطقة. وتحظى إسرائيل بدعم المحافل الدولية حيث تستخدم الدول الاستعمارية حق النقض لمنع أي قرار يدين سياساتها ضد الفلسطينيين. وهذه السياسات الاستعمارية ليست جديدة. على سبيل المثال، اضطرت الأمم المتحدة في عام 1991 إلى إلغاء قرار الجمعية العامة رقم 3379 لعام 1975 الذي قرر أن “الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”.
لقد استخدمت إدارة بايدن حق النقض في مجلس الأمن أربع مرات خلال الأشهر الأربعة الماضية، حيث عرقلت خلالها مشاريع قرارات كانت ستدين المجازر والإبادة الجماعية المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني. وكل هذا امتداد لنهج استعماري مستمر منذ عام 1948 ومتجذر بعمق.
يقرأ: 16400 طفل قُتلوا في الهجمات الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر
يستخدم تحالف الإبادة الجماعية وسائل الإعلام لنشر الأكاذيب من خلال عرض القضايا من منظور مؤيد لإسرائيل وتجاهل المواقف الفلسطينية المشروعة. أثناء العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، ظهرت تقارير إعلامية على منصات مثل بي بي سي و سي إن إن إن هذا التقرير يظهر أن الصواريخ التي تطلق من غزة تشكل تهديداً كبيراً، في حين يتجاهل أو يقلل من شأن الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل أثناء قصفها للمدنيين الفلسطينيين في مختلف أنحاء القطاع. فقد قتلت إسرائيل أكثر من 40 ألف مدني منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما أصيب مائة ألف آخرون واختفى آخرون، معظمهم من الأطفال والنساء.
إن الأولوية في تغطية مثل هذه الأحداث بشكل غير متوازن هي إظهار إسرائيل وكأنها الضحية الدائمة التي تدافع عن نفسها، وهو ما يتجاهل الواقع والحقائق والمآسي الإنسانية التي يعيشها الجانب الفلسطيني.
يقرأ: الولايات المتحدة: مندوبون مؤيدون لفلسطين في المؤتمر الديمقراطي يطالبون بفرض حظر على الأسلحة على إسرائيل
فضلاً عن ذلك فإن هذه الدول الاستعمارية، وخاصة الولايات المتحدة، تلعب دوراً حاسماً في تزويد الجيش الإسرائيلي بالأسلحة والمعدات العسكرية التي تمكنه من مواصلة إبادة الفلسطينيين. كما تنفق إسرائيل مليارات الدولارات على تعزيز دفاعاتها الجوية وتزويدها بالقنابل الخارقة للتحصينات لتدمير أحياء بأكملها في غزة وقتل عائلات بأكملها مع كل قنبلة.
هذه ليست مجرد مرحلة عابرة، بل هي تعبير قاتل عن عمق الارتباط الاستعماري والدعم الصريح الذي تقدمه الإدارة الأميركية لإسرائيل.
إن الجرائم التي ترتكب اليوم في الوقت الحقيقي على وسائل التواصل الاجتماعي قد كشفت عن الواقع المؤلم وأظهرت أن هناك حاجة ملحة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تحرك دولي حاسم. يجب على العالم أن يقبل حقيقة أن إسرائيل دولة عنصرية تجاوزت عتبة تصنيف دولة الفصل العنصري – كما أكدت منظمة بتسيلم وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية – وتتصرف كدولة مارقة تتعامل مع القوانين والاتفاقيات الدولية بازدراء. وفي كل هذا، يساعدها ويشجعها تحالف الإبادة الجماعية. لم يعد الصمت الدولي أو اللامبالاة خيارًا؛ بل إنه أمر غير مقبول تمامًا.
إن العمل على عزل إسرائيل وأنصارها لا يقتصر على كونه رداً على الظلم؛ بل يمثل تحدياً مباشراً للبنية الاستعمارية التي سمحت لهذه الأفعال بالانتشار وتجاهلت معاناة الشعوب. وعلى هذا النحو، فإن هذا الضغط سيكون خطوة أساسية لجميع دول الجنوب العالمي لإنهاء النفوذ الاستعماري الغربي في جميع أنحاء العالم.
ظهرت هذه المقالة لأول مرة باللغة العربية في صحيفة القدس العربي بتاريخ 18 أغسطس 2024
رأي: إن إطالة أمد الإبادة الجماعية ما هو إلا ستار دخاني لحرب إسرائيلية أخرى في الضفة الغربية
الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.


يرجى تفعيل JavaScript لعرض التعليقات.