إيران: دعوة مبطنة للطلاب مع تصاعد التوترات الداخلية والخارجية
تشهد إيران في الآونة الأخيرة توتراً متزايداً، حيث أطلقت الجامعات فصلاً دراسياً جديداً مصحوباً بمسيرات احتجاجية من قبل الطلاب، مما دفع الحكومة إلى إطلاق تحذير مبطن. تأتي هذه التطورات في ظل ضغوط متزايدة على القيادة الإيرانية، ناتجة عن حركة احتجاجية واسعة النطاق شهدتها البلاد مؤخراً، بالإضافة إلى التهديدات العسكرية الأمريكية المرتبطة ببرنامجها النووي.
طلاب الجامعات يعيدون إحياء الاحتجاجات
بدأ طلاب الجامعات في إيران فصلهم الدراسي الجديد بتنظيم تجمعات، استعادوا خلالها شعارات الاحتجاجات الوطنية التي اجتاحت البلاد ضد القيادة الدينية، والتي بلغت ذروتها في شهر يناير، وقوبلت بقمع وحشي. خلال الأيام الماضية، شهدت الجامعات فعاليات احتجاجية، حيث أظهرت مقاطع فيديو موثقة مواجهات بين مجموعتين طلابيتين في قاعات جامعية كبيرة بطهران، إحداهما ترفع الأعلام الإيرانية، والأخرى تهتف بشعارات مناهضة للحكومة، قبل أن تتطور الأمور إلى اشتباكات.
وفي اليوم السابق، أقدم طلاب على حرق العلم الذي تبنته الجمهورية الإسلامية في إيران بعد ثورة عام 1979 التي أطاحت بالنظام الملكي، وذلك حسبما أكدت مقاطع فيديو موثقة.
رد الحكومة: حق الاحتجاج و”الخطوط الحمراء”
في أول رد رسمي على الاحتجاجات الطلابية، صرحت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة موهجراني، بأن للطلاب الحق في الاحتجاج، لكنهم يجب أن “يفهموا الخطوط الحمراء”. وأضافت أن العلم الإيراني هو أحد “هذه الخطوط الحمراء التي يجب أن نحميها ولا نتعداها أو ننحرف عنها، حتى في أوج الغضب”.
وأقرت موهجراني بأن طلاب إيران “يحملون جراحاً في قلوبهم وشاهدوا مشاهد قد تزعجهم وتغضبهم؛ هذا الغضب مفهوم”.
استمرار الاعتقالات وتصاعد القمع
بدأت الموجة الأولى من الاحتجاجات في شهر ديسمبر، والتي أشعلتها المشاكل الاقتصادية في بلد يعاني من العقوبات، لكنها سرعان ما تحولت إلى مظاهرات شملت أنحاء البلاد، وبلغت ذروتها في الثامن والتاسع من يناير، لتشكل بذلك تحدياً كبيراً لقيادة إيران.
وقد أعقب الاضطرابات قمع حكومي عنيف شهد سقوط آلاف الضحايا. سجلت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان ومقرها الولايات المتحدة (HRANA) أكثر من 7000 حالة وفاة، محذرة من أن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير. تعترف المسؤولون الإيرانيون بسقوط أكثر من 3000 قتيل، لكنهم يصفون العنف بأنه ناتج عن “أعمال إرهابية” غذتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
خلال الاحتجاجات، حاولت الحكومة الموازنة بين الاعتراف بالمظالم الاقتصادية المشروعة للمحتجين وإدانة ما أسمتهم بـ “المخربين”.
صرحت موهجراني بأن بعثة تقصي حقائق تحقق في “أسباب وعوامل” الاحتجاجات، إلا أن منظمات حقوقية تحذر من استمرار القمع، مع اعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص بالفعل.
أظهرت مقاطع فيديو لطلاب خارج عدة جامعات في العاصمة يوم الثلاثاء حشوداً تهتف ضد السلطات الدينية، مع العديد من الصور المشوشة أو التي تظهر الأيدي فقط لإخفاء الهويات.
صرحت باهار صبا، باحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر يوم الثلاثاء: “تواصل السلطات ترويع السكان”، وذلك في الوقت الذي تتعافى فيه البلاد من قمع الشهر الماضي. وأضافت: “تتواصل الاعتقالات والمحتجزون يتعرضون للتعذيب، والاعترافات القسرية، والإعدامات السرية والموجزة والعشوائية”.
أفاد أحد سكان طهران لصحفي تابع لوكالة الأنباء الفرنسية خارج البلاد بأنه لا يعتقد أن احتجاجات الحرم الجامعي ستتجاوز الجامعات الكبرى، لأن “معظم الناس لا يزالون مرعوبين من وحشية النظام”. وأضاف أنه انضم إلى الاحتجاجات الجماعية “بسبب المسؤولية الأخلاقية”، لكنه يعتقد أن “معظم الناس لن ينضموا (الآن) بسبب… الخوف من القمع الوحشي والأمل في ترامب”، في إشارة إلى ضربة أمريكية محتملة.
الضغط الأمريكي والبرنامج النووي
أثارت حملة القمع في شهر يناير تهديداً بالتدخل العسكري من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصالح المحتجين، على الرغم من أن تركيز تهديداته تحول سريعاً إلى البرنامج النووي الإيراني، الذي يعتقد الغرب أنه يهدف إلى بناء قنبلة ذرية، بينما تصر طهران على أنه لأغراض سلمية.
منذ ذلك الحين، نفذت الولايات المتحدة حشدًا عسكرياً ضخماً في الشرق الأوسط بهدف الضغط على طهران لعقد صفقة، حتى مع استمرار الجانبين في مفاوضات غير مباشرة، من المقرر استئنافها يوم الخميس في جنيف.
نشرت واشنطن مجموعة حاملة طائرات تابعة لسفينة “يو إس إس أبراهام لنكولن” في بحر العرب، وقد وصلت مجموعة ثانية، تابعة لسفينة “يو إس إس جيرالد فورد”، إلى قاعدة أمريكية في كريت وهي في طريقها إلى المنطقة.
تعهدت إيران بالانتقام “بشدة” ضد أي هجوم من الولايات المتحدة، حتى لو كان محدوداً، وهو ما اعترف ترامب علناً بأنه يفكر فيه.
نفذ الحرس الثوري الإيراني، الذراع الأيديولوجي للجيش، تدريبات على شواطئ الخليج في عرض لقوته، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الرسمية يوم الثلاثاء.
صرح محمد كرامي، قائد قوات البر التابعة للحرس الثوري، للتلفزيون الرسمي: “تم تصميم تدابير جيدة جداً في قطاعات مختلفة، بما في ذلك الصواريخ، والمدفعية، والطائرات بدون طيار، والقوات الخاصة، والمركبات المدرعة، وناقلات الجند المدرعة”. وأضاف أن التدريبات تجرى “بناءً على التهديدات الموجودة”، دون تقديم مزيد من التفاصيل.
الخلاصة
تتعقد الوضعية في إيران، حيث تلتقي المطالب الداخلية للطلاب بتصاعد التوترات الجيوسياسية. بينما تتواصل الاحتجاجات الطلابية، تبدو القيادة الإيرانية في موقف صعب، تواجه ضغوطاً من الداخل والخارج. يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالات عديدة، ويعتمد تصعيد أو لجم هذا الوضع المتأزم على القرارات التي ستتخذها طهران وواشنطن على حد سواء.

