في التاسع عشر من يوليو/تموز، ضربت طائرة بدون طيار انطلقت من اليمن منطقة قريبة من السفارة الأميركية في تل أبيب، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة عدة أشخاص آخرين. وتمكنت هذه الطائرة الانتحارية، التي أطلق عليها اسم يافا (الاسم العربي لمدينة يافا، التي تشكل جزءاً من تل أبيب اليوم)، من الإفلات من أنظمة الرادار الإسرائيلية وحلقت دون أن يتم اكتشافها لساعات قبل أن تصل إلى هدفها.
ويأتي هذا الهجوم الجريء بعد أشهر من تزايد القدرات العسكرية لليمن واستعدادها للتعامل مباشرة مع دولة الاحتلال، بما يتماشى مع استراتيجيتها الأوسع لدعم الفلسطينيين وسط الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، على الرغم من تجدد الأعمال العدائية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا.
وأكد العميد يحيى سريع، المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية المتحالفة مع أنصار الله، أن هذه الضربة جاءت ردا مباشرا على الفظائع في غزة، ووصف تحركات اليمن بأنها إجراء ضروري للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وأضاف: “سنركز على استهداف الجبهة الداخلية للعدو الصهيوني والوصول إلى العمق. ونؤكد أن لدينا بنك أهداف في فلسطين المحتلة، بما في ذلك أهداف عسكرية وأمنية حساسة”، وهي نية واضحة للحفاظ على أنشطتهم العسكرية وتصعيدها في حال استفزازهم.
وأضاف أن “عملياتنا لن تتوقف إلا بوقف العدوان ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة”.
وفي مايو/أيار الماضي، تحدث سريع عن تصعيد صنعاء لهجماتها ضد دولة الاحتلال إلى المرحلة الرابعة، بما في ذلك استهداف السفن المتجهة نحو إسرائيل، وتوسيع نطاقها ليشمل البحر الأبيض المتوسط. لكن هجوم الطائرات المسيرة في تل أبيب يمثل الآن “مرحلة جديدة” في عملياتها، ويمثل تهديدا متزايدا للكيان الصهيوني في وقت حرج مع اشتداد الصراع مع حزب الله في الشمال. وهذا ما أكده زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، الذي أعلن في خطاب متلفز أن الحركة ستواصل “المرحلة الخامسة من التصعيد دعما لغزة”.
رأي: من هم الحوثيون في اليمن؟
لقد كانت اليمن داعماً قوياً للقضية الفلسطينية، وخاصة منذ اندلاع الحرب الحالية في أعقاب عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي. ولم يكن هذا الدعم مجرد دعم خطابي، بل امتد إلى المشاركة العسكرية النشطة، مما يعكس مكانة اليمن البارزة ضمن محور المقاومة الأوسع.
لقد توسعت القدرات العسكرية للبلاد بشكل كبير، حيث امتدت العمليات إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وحتى المحيط الهندي. كما استحوذت القوات المسلحة اليمنية على معدات متطورة وطورتها، والتي تم استخدامها في الهجمات ليس فقط ضد إسرائيل ولكن أيضًا في استهداف الأصول الأمريكية والبريطانية في المنطقة. وعلى الرغم من ما يقرب من عقد من الحرب ومواجهة أزمتها الإنسانية بالإضافة إلى كونها معروفة بأنها واحدة من أفقر البلدان في الشرق الأوسط، فإن اليمن تُظهر مستوى متطورًا من الاستعداد العسكري والنهج الاستراتيجي لممارسة قوتها الصلبة في المنطقة.
وردًا على هجوم الطائرة بدون طيار في تل أبيب، شنت إسرائيل غارات جوية على مدينة الحديدة الساحلية، مستهدفة ما وصفته بالمنشآت العسكرية. ومع ذلك، أسفرت هذه الضربات أيضًا عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار جسيمة في البنية التحتية، بما في ذلك مرافق تخزين النفط ومحطة توليد الكهرباء. وقد رد الجيش اليمني بالفعل في أعقاب الهجوم الإسرائيلي، لكنه تعهد بأن “الرد الفعلي على العدوان الإسرائيلي على بلادنا قادم لا محالة وسيكون ضخمًا وعظيمًا”.
من الواضح أن جيش الاحتلال كان يهدف إلى إرسال رسالة قوية إلى صنعاء، لكن هذا لم يؤد إلا إلى تعزيز عزيمة اليمن، وفتح جبهة أخرى في الحرب الإقليمية التي تركز على غزة. كانت استراتيجية “وحدة الساحات” هذه قيد الإعداد لسنوات بالنسبة لمحور المقاومة، وهو السيناريو الذي حاول الجيش الإسرائيلي الاستعداد له.
رأي: معضلة نتنياهو هي تراجع الردع وانكشاف الاحتلال
إن الهجوم على تل أبيب يحمل أهمية رمزية واستراتيجية في الحركات المعادية للصهيونية في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي. فعلى مدى عقود من الزمان، كان العديد من القادة والجماعات يطمحون إلى توجيه ضربة إلى قلب إسرائيل كدليل على المقاومة. ويمثل التحرك الأخير الذي قامت به اليمن أول ضربة ناجحة من جانب دولة عربية ضد تل أبيب في القرن الحادي والعشرين، وسوف تكون العواقب ملحوظة، حيث أن الهجوم على تل أبيب سوف يسفر عن نتائج عكسية. جيروزالم بوست “يمثل هذا تهديدًا كبيرًا لإسرائيل وسيعطي وكلاء إيران في المنطقة سببًا للشعور بأنهم حققوا نجاحًا جديدًا في جهودهم الحربية. تل أبيب هي هدف أساسي ورمزي. إذا وصلوا إليها بطائرات بدون طيار، فهذا يمثل نكسة أخرى لردع إسرائيل وتفوقها الجوي في المنطقة. كان استهداف تل أبيب موضوعًا لأعداء إسرائيل يعود تاريخه إلى حرب الاستقلال عام 1948. كما استهدف صدام حسين تل أبيب بصواريخ سكود في عام 1991.”
ورغم أن تصرفات اليمن نالت الثناء والتقدير من فصائل المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فإن بعض الناشطين المناهضين للصهيونية على الإنترنت استغلوا الفرصة لمهاجمة حركة أنصار الله، وكشفوا عن موقفهم من مقاومة المنطقة ضد دولة الاحتلال.
الحوثيون: الأيام المقبلة ستغير موازين القوى في المنطقة
إن الصحفي سي جيه ويرلمان، الذي أعلن نفسه مصلحاً في التعامل مع الإسلاموفوبيا، هو مثال على ذلك بتعليقاته الانتقادية لحكومة صنعاء، والتي تسلط الضوء بشكل متكرر على ما يعتبره جوانب “طائفية” للصراع في اليمن.
ومع ذلك، يُتهم بالمبالغة في تصوير الطبيعة الطائفية للصراع اليمني، وتصويره بطريقة تتوافق مع آرائه المثيرة للجدل في الماضي. وتأتي تغريداته على موقع X بعد يوم من عملية تل أبيب، والتي انتقد فيها “الحوثيين” واستشهد بمقالاته كمصدر موثوق، في وقت اتخذت فيه اليمن خطوات كبيرة ضد إسرائيل.
من المؤكد أن هذا النمط من التعليقات يثير تساؤلات حول الدوافع وراء تركيز ويرلمان المستمر على السرديات الطائفية وتجاهله لوجهات نظر المقاومة الفلسطينية نفسها.
في حين ركزت معظم وسائل الإعلام على التصعيد الأخير مع حزب الله على الجبهة الشمالية واحتمالات الحرب الوشيكة مع لبنان، فإن فتح الجبهة الجديدة في الجنوب مع اليمن يمثل تحديا استراتيجيا خطيرا لإسرائيل.
وعلى النقيض من حزب الله، الذي على الرغم من قوته وتسليحه الجيد، فإنه مع ذلك لا يزال جهة فاعلة غير حكومية، فإن القوات المسلحة اليمنية تمثل تهديداً عسكرياً أكثر تقليدية مع ترسانة كبيرة من الأسلحة المتقدمة. وهذا يجعل الجبهة اليمنية تشكل تهديداً أكثر قوة ومباشرة لأمن دولة الاحتلال. وعلى هذا فإن هذه المرحلة الخامسة، أو الجبهة الجديدة في الحرب، سوف تجبر إسرائيل على إعادة النظر في أولوياتها الاستراتيجية وتخصيص الموارد اللازمة لمواجهة التهديدات على جبهات متعددة.
إن التصعيد بين اليمن وإسرائيل يشكل تطوراً محورياً في الحرب الحالية. إن تصرفات اليمن، التي تحركها التضامن مع غزة والمخاوف المشروعة بشأن سيادتها ــ وخاصة فيما يتصل بالوجود الإسرائيلي في سقطرى بتسهيل من الإمارات العربية المتحدة ــ أدخلت ديناميكية جديدة تقوض الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل.
رأي: قصف العواصم العربية يكشف من يقف حقا مع فلسطين
الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.


يرجى تفعيل JavaScript لعرض التعليقات.