قصص اللاجئين الأوكرانيين: بين أمل العودة وواقع الحياة الجديدة

تتجاوز أزمة اللاجئين الأوكرانيين حدود الدول، لتصبح قصة إنسانية مؤثرة تتكشف فصولها كل يوم. منذ الغزو الروسي في 24 فبراير 2022، غادر ملايين الأوكرانيين ديارهم بحثًا عن الأمان، لتتغير حياتهم جذريًا. تتناول هذه المقالة قصصًا حقيقية للاجئين أوكرانيين في بولندا وتركيا، مسلطة الضوء على التحديات التي يواجهونها، وآمالهم المعلقة، وصعوبة بناء حياة جديدة بعيدًا عن الوطن.

رحلة البحث عن الأمان: بدايات النزوح

بعد مرور عامين على بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، لا تزال قصة اللاجئين الأوكرانيين تتصدر الأخبار. تسببت الحرب في أكبر أزمة لاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يتوزع أكثر من 5 ملايين أوكراني عبر القارة، الكثير منهم في دول أوروبا الوسطى والشرقية.

لمى تحلم بالعودة: قصة مارينا من كييف

تقول مارينا بوندارينكو، الصحفية البالغة من العمر 51 عامًا، إنها جهزت ثلاث حقائب في شقتها في بولندا، تنتظر يوم عودة السلام إلى بلدها. فرت من كييف مع ابنها وأمها، معتقدة أن رحيلهم سيكون مؤقتًا، لن يتجاوز شهرًا أو شهرين. كانت هذه التوقعات الأولية، التي شاركها الكثير من اللاجئين، تتجاوز الواقع الذي فرضته الحرب.

تداعيات الحرب: فصل غير متوقع

“كانت هناك لحظات كثيرة ظننا فيها: ‘انتهى الأمر، سنعود أخيرًا’. ذهبنا إلى مكاتب البريد عدة مرات، وجمعنا أغراضنا في صناديق، وكنا على يقين مطلق بأننا سنعود”، تروي مارينا. لكن الغارات الجوية الروسية المتكررة، التي قطعت التيار الكهربائي عن عشرات الآلاف في كييف خلال شتاء قاسٍ، أقنعتها بالبقاء.

“نستعد للمغادرة، ثم يأتي هجوم كبير آخر. نجهز أنفسنا مرة أخرى، ثم يأتي الشتاء البارد بدون تدفئة، ولا كهرباء، ولا ماء. ولا يمكنني أن أُعرّض طفلي لهذا، تحت وطأة الصواريخ”، تضيف مارينا، التي تشعر بشوق عميق للالتحاق بزوجها أندري دودكو، مصور التلفزيون السابق الذي يخدم كعامل طائرات مسيرة على خط المواجهة.

مجتمعات أوكرانية في الشتات: تحديات وفرص

في بولندا، نشأت مجتمعات أوكرانية كبيرة في مدن مثل وارسو وكراكوف، مما أدى في بعض الأحيان إلى توترات مع السكان المحليين الذين يشكون من استيلاء الوافدين الجدد على مزايا الرعاية الاجتماعية وفرص العمل.

رحلة أمل: البحث عن حياة جديدة

“أريد العودة إلى وطني، حقًا أريد ذلك. أعرف أن الأمر لن يكون سهلاً”، تقول مارينا، مضيفة أن البلد الذي ستعود إليه سيكون قد تغير بشكل جذري. تأمل الحكومة الأوكرانية أن يعود 70% من الأوكرانيين في الخارج بعد انتهاء الحرب. ومع ذلك، تظهر استطلاعات الرأي انخفاضًا تدريجيًا في نسبة الأوكرانيين الذين يعبرون عن رغبتهم في العودة.

بالنسبة للكثيرين من الجيل الأصغر، مثل دانييلو، ابن مارينا البالغ من العمر 11 عامًا، أصبحت أوكرانيا مجرد ذكرى بعيدة. “أحب بولندا، على الرغم من بعض العداء تجاه الأوكرانيين في المدرسة. لا أتذكر حقًا أي شخص من أوكرانيا. أتذكر أن كان لدي صديق، لكنني لا أتذكره حقًا وفقدت الاتصال به. لا أعتقد أنني سأعود إلى أوكرانيا”.

قصص من إسطنبول: حياة تحولت

في الطرف الآخر من أوروبا، في إسطنبول، اتخذت قصص اللاجئين مسارًا مختلفًا. إيرينا كوشنير، 42 عامًا، وأولغا ييرمولينكو، 43 عامًا، وهما صديقتان من المدرسة في مدينة خاركيف شرق أوكرانيا، أعادتا اكتشاف صداقتهما بعد فرارهما إلى إسطنبول مع بداية الحرب.

التكيف مع الواقع الجديد

“اعتقدت أن الحرب ستنتهي بسرعة، لذلك لم أخطط للبقاء في إسطنبول لفترة طويلة”، تقول كوشنير، التي تركت ابنتها صوفيا البالغة من العمر 19 عامًا تدرس في أوكرانيا. لكن بعد عامين، تزوجت من رجل تركي ولديها وظيفة تدريس في قسم اللغة الأوكرانية بجامعة إسطنبول. “مثل كل الأوكرانيين، كنت أخطط للعودة إلى وطني، لكن الحياة سارت بشكل مختلف”، تقول كوشنير، التي تفتخر بأن ابنتها اختارت البقاء في أوكرانيا.

تعمل زميلتها ييرمولينكو عن بُعد من إسطنبول كأخصائية مالية لعملاء أوكرانيين. وتعيش والدتها تاتيانا، البالغة من العمر 73 عامًا، في خاركيف، وهما على اتصال دائم. “لا يمكنني القول إنني منخرطة بنسبة 100% في الحياة التركية. إنه شعور غريب بعض الشيء أن تكون عالقًا بين حياتك السابقة وحياة مستقبلية محتملة”، تقول ييرمولينكو، التي بدأت تعلم اللغة التركية.

تتابع ييرمولينكو الأحداث في أوكرانيا عن كثب، لكنها تحاول ألا تفكر في المدة التي قد تستمر فيها الحرب. “أفتح الأخبار – هناك قناة تليجرام تنقل ما يحدث في خاركيف في الوقت الفعلي – وأرى صاروخًا يتجه نحو منزلي. في تلك اللحظة، يكون الشعور مرعبًا. أشعر بخوف شديد. وبالطبع، أتصل بوالدتي فورًا للتأكد من أنها بخير”.

خلاصة: أمل معلق في ظل مستقبل غامض

تُظهر قصص مارينا وإيرينا وأولغا، وعدد لا يحصى من اللاجئين الأوكرانيين الآخرين، التضحيات الهائلة التي قُدمت، والتحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها. بينما يتشبث الكثيرون بالأمل في العودة إلى وطنهم، تواجه أجيال جديدة واقعًا مختلفًا، حيث تتلاشى الروابط مع أوكرانيا تدريجيًا. إن فهم هذه القصص يساعدنا على تقدير الصمود الإنساني، ويدفعنا للتفكير في كيفية دعم أولئك الذين فقدوا كل شيء، وهم يبنون حياة جديدة في ظروف استثنائية، بين ذكريات الأمس وآمال الغد.

شاركها.
Exit mobile version