أكثر من 80 فيلماً ينددون بموقف برليناله من غزة: اتهامات بالتعتيم على القضية الفلسطينية
في موقف لافت، وقّع أكثر من 80 فيلماً، من بينهم أسماء لامعة مثل تيلدا سوينتون، خافيير بارديم، مايك لي، آدم مكاي، وآفي موغرايبي، على رسالة مفتوحة موجهة إلى مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله). وتنتقد الرسالة بشدة موقف المهرجان من الحرب على غزة، متهمةً المنظمين بـ “الرقابة” و”محاولات إسكات” الأصوات التي تتناول الأزمة.
تأتي هذه الخطوة كصوت احتجاجي قوي على ما وصفه الموقعون بأنه “قمع” للمدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني. وتؤكد الرسالة أن “العام الماضي، تعرض مخرجون تحدثوا عن الحياة والحرية الفلسطينية من على منصة برليناله لتوبيخ عدواني من قبل مبرمجين كبار في المهرجان”. وأشارت الرسالة إلى حقيقة أن “أحد المخرجين تعرض للتحقيق من قبل الشرطة، وزعمت قيادة برليناله كذباً أن خطاب المخرج المؤثر – المتجذر في القانون الدولي والتضامن – كان ‘تمييزياً'”.
برليناله وسياسة “عدم التدخل السياسي” المزعومة
تأتي هذه الرسالة الجديدة كرد فعل مباشر على تصريحات المخرج الألماني فيم فيندرز، الذي يرأس لجنة تحكيم المهرجان لهذا العام. اقترح فيندرز في تصريحات سابقة أن صناعة الأفلام يجب ألا تكون سياسية بشكل مباشر. وقال في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي: “علينا أن نبقى خارج السياسة لأنه إذا صنعنا أفلاماً سياسية بشكل مخصص، فإننا ندخل مجال السياسة”. وأضاف: “لكننا الثقل الموازن للسياسة، نحن على عكس السياسة. علينا أن نقوم بعمل الشعب، وليس عمل السياسيين”.
ردود الفعل هذه تثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير. فبينما يشدد فيندرز على الابتعاد عن السياسة، تشير الرسالة المفتوحة إلى تناقض في مواقفه السابقة. فعندما سُئل عن دعم ألمانيا لإسرائيل في حربها على غزة، اعتبرت عضو هيئة تحكيم أخرى، إيفا بوشتشينسكا، أن السؤال “غير عادل” وأضافت: “هناك العديد من الحروب الأخرى التي تُرتكب فيها جرائم، ولا نتحدث عن ذلك”.
انسحاب الكاتبة الشهيرة واحتجاجات أخرى
لم تكن هذه التصريحات هي الوحيدة التي أثارت الجدل. فقد أعلنت الكاتبة الهندية الحائزة على جوائز، أرواداتي روي، انسحابها من المهرجان احتجاجاً على موقف برليناله، مما زاد من المخاوف بشأن تمويل المهرجان الذي تتلقاه الحكومة الألمانية.
يُتهم فيندرز أيضاً بالنفاق، حيث أشارت اتهامات إلى تصريحاته المتناقضة سابقًا حول المهرجان في عام 2024، حيث قال: “برليناله كان دائمًا تقليديًا الأكثر سياسية بين المهرجانات الكبرى، ولا ينأى بنفسه عن الأمور الآن، ولن يفعل ذلك في المستقبل أيضًا… أنا أحب برليناله لأنه دائمًا ما يتحدث ويعبر عن رأي”.
استمرار الجدل حول الموقف من غزة
يُعرض في المهرجان أكثر من 200 فيلم على مدار 10 أيام، يتنافس 22 منها على الدب الذهبي، وهي الجائزة الكبرى.
وفي فعالية هامشية لم تكن مرتبطة مباشرة بالمهرجان، تحدثت مخرجة فيلم “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Rajab) ضد اللامبالاة الألمانية بمعاناة الفلسطينيين والتواطؤ مع إسرائيل.
في حفل “السينما من أجل السلام” في برلين، الذي حضرته نائبة الرئيس الأمريكي السابقة هيلاري كلينتون واستضافه الموسيقي بوب جيلدوف، رفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية جائزة “القيمة” التي مُنحت لفيلمها خلال الحفل.
وانتقدت بن هنية، التي يوثق فيلمها جهود إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب، قرار منح جائزة شرفية إلى نوعم تيبون، الجنرال الإسرائيلي السابق الذي ظهر في الفيلم الوثائقي الكندي “الطريق بيننا”.
وصرحت: “ما حدث لهند ليس استثناءً. إنه جزء من إبادة جماعية. واليوم في برلين، هناك أناس قدموا غطاءً سياسياً لتلك الإبادة الجماعية من خلال إعادة تعريف قتل المدنيين الجماعي على أنه دفاع عن النفس، وظروف معقدة. من خلال التقليل من شأن أولئك الذين يحتجون”. وأردفت: “لكن كما تعلمون، السلام ليس عطراً يرش على العنف، حتى تشعر القوة بالرقي والراحة. والسينما ليست غسيل سمعة”.
سوابق الجدل
ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها برليناله جدلاً بشأن غزة. ففي عام 2024، واجه المهرجان انتقادات شديدة بسبب دعوة (تم سحبها لاحقاً) لحضور حفل الافتتاح من قبل حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) اليميني المتطرف، ووُصف بأنه “أحادي الجانب” و”معاد للسامية” من قبل مسؤولين ألمان مختلفين، بسبب تعليقات المخرج الإسرائيلي الحائز على جوائز يوفال أبراهام.
وثائقي أبراهام “لا أرض أخرى” (No Other Land)، الذي شارك في إخراجه مع الفلسطيني باسل عدرا، صوّر تدمير قرية فلسطينية صغيرة في الضفة الغربية المحتلة بتصريح من الدولة الإسرائيلية.
وقال أبراهام في خطاب قبوله الجائزة: “أنا أعيش تحت قانون مدني وباسل تحت قانون عسكري. لدي حقوق تصويت؛ باسل ليس لديه حقوق تصويت. أنا حر في التنقل حيثما أريد في هذه الأرض؛ باسل، مثل ملايين الفلسطينيين، محبوس في الضفة الغربية المحتلة”.
وتصاعدت الانتقادات بعد أن ادعت وزيرة الثقافة الألمانية كلوديا روث أنها صَفّقت فقط لخطاب أبراهام، وليس لعدرا. وحاز الفيلم لاحقاً على جائزة الأوسكار.
خاتمة
تُظهر هذه الانتقادات المتكررة وتوقيع العديد من المخرجين العالميين على الرسالة المفتوحة، أن مهرجان برلينالي يواجه ضغوطاً متزايدة لاتخاذ موقف واضح وشفاف تجاه الأزمة الإنسانية في غزة. إن قضايا حقوق الإنسان والحق في التعبير عن الرأي تبقى تحديات أساسية لصناعة السينما العالمية، ومن المتوقع أن يشهد المهرجان مزيداً من النقاش حول هذه القضايا الحساسة في دوراته القادمة.

