لقد شهدت تونس في الأيام الأخيرة كارثتين كبيرتين: الأولى هي سحق القانون بشكل صارخ وبمستوى غير مسبوق من الغطرسة، والثانية هي إجهاض متعمد لأي أمل في التغيير السلمي من خلال انتخابات رئاسية حرة.

هاتان ضربتان مؤلمتان، لأن ما يحدث هو أن الرئيس الحالي قيس سعيد يتمسك بالسلطة مهما كلف الأمر، ومهما أساء استخدام القانون، ومهما سحق الرغبة في أن تكون الانتخابات الرئاسية مخرجا سلميا من المحنة الشديدة التي تعيشها البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. الضربة الأولى كانت إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي اختار سعيد أعضاؤها، على عكس النظام السابق عندما كانوا ينتخبون من البرلمان، أنها رفضت لأسباب واهية للغاية الامتثال لأحكام المحكمة الإدارية التي قررت إعادة ثلاثة مترشحين إلى السباق الرئاسي، رغم وجود قانون صريح ينص على أن المحكمة الإدارية وحدها هي التي يمكنها الفصل في نزاعات الترشح، وأن أحكامها نهائية وملزمة وغير قابلة للطعن.

أثبتت الهيئة الانتخابية أن ولاءها لمن عيّنها، ولمن سمح لرئيسها فاروق بوعسكر بامتيازات الوزير، وليس لسيادة القانون أو ضرورة الحياد والاستقلال. وفي إجماع قانوني نادر، اتفق جميع الخبراء القانونيين وأساتذة الجامعات على أن ما فعلته الهيئة يمثل انتهاكا صارخا للقانون. وقالت منظمة “أنا يقظ” المستقلة، المعنية بمكافحة الفساد المالي والإداري ودعم الشفافية، إن تصلب الهيئة الانتخابية في تنفيذ الأحكام القضائية النهائية “ضربة واضحة لأسس دولة القانون والمؤسسات”، وأنها “تخوض معاركها الأخيرة من أجل البقاء تحت حماية السلطة الحالية، وهي تدرك أن أي تغيير في موازين القوى وفي شكل الحكم سيقودها إلى مواجهة المحاسبة على كل الانتهاكات التي ارتكبتها خلال فترة ولايتها”.

قيس سعيد رئيس تونس يحل البرلمان “حفاظا على الدولة” – كاريكاتير (سباعنة/ميدل إيست مونيتور)

إن الهيئة التي يطالب الجميع الآن برحيلها هي أيضا سبب الضربة الثانية التي تلقتها تونس والتونسيون، وهي الضربة الأخطر والأكثر إيلاما، والتي جاءت على شكل إطفاء شعلة الأمل لدى التونسيين في الأسابيع الماضية، عندما تحول المزاج الشعبي العام من اليأس من إمكانية إجراء انتخابات رئاسية تنافسية حقيقية والاستقالة إلى حقيقة مفادها أن الرئيس سعيد سيتولى ولاية رئاسية جديدة، بغض النظر عن نسبة المشاركة ونسبة الأصوات التي سيحصل عليها.

اقرأ: هيومن رايتس ووتش تدعو تونس إلى وقف “تدخلها السياسي” في الانتخابات الرئاسية

كان الأمل قد عاد عندما قررت المحكمة الإدارية إعادة من أقصتهم الهيئة إلى مناصبهم، خاصة وأنهم من خلفيات مختلفة، وكان الاعتقاد السائد أن الانتخابات الرئاسية ستكون تنافسية وتضمن انتقالا سلميا للسلطة يوفر بديلا ديمقراطيا لسنوات الشعبوية والفشل وعدم الكفاءة التي عاشها سعيد، الذي فشل في حل أي من مشاكل البلاد، بل ساهم في تدهورها، ورفع صوته فوق الجميع، وفسر كل شيء بالمؤامرات.

لكن الأمر لم يصل بعد إلى حد الغضب الشعبي المترجم إلى احتجاجات غاضبة في الشوارع، لأن المحكمة الإدارية لا تنوي الاستسلام، ولا المرشحين الثلاثة المستبعدين، ولا القوى السياسية والمدنية التي لا تقبل فرض الأمر الواقع بالقوة وليس بالقانون.

الحقيقة المرة التي أدركها الجميع هي أن الأمور ما كانت لتصل إلى هذا المستوى من انتهاك القانون لو وقف الجميع في وجه انقلاب قيس سعيد على الدستور في يوليو 2021، لأن عدم القيام بذلك هو ما شجعه على ارتكاب كل انتهاكاته اللاحقة، وصولا إلى هذا الانقلاب الأخير. لكن الأمل في التغيير يبقى قائما ما دام لا أحد يقف مع سعيد الآن سوى السلطة وأجهزتها، وليس القانون أو الرأي العام.

ومن المضحك والمحزن أن الدستور الذي كتبه سعيد بنفسه جاء فيه: “إننا نؤسس لمحور نظام دستوري جديد لا يقوم فقط على سيادة القانون بل على مجتمع القانون بحيث تكون القواعد القانونية تعبيرا حقيقيا وصادقا عن إرادة الشعب فيستوعبها ويسعى لتطبيقها ومواجهة كل من يتجاوزها أو يحاول مخالفتها”.

من المزعج حقا أن يكون رئيس الهيئة الانتخابية قاضيا، وأن يكون رئيس الدولة الذي يقف خلفه ويرفض تسليم الرئاسة لـ”الخونة والجواسيس” كما قال بلسانه، قد درَّس القانون الدستوري في الجامعات التونسية لمدة 30 عاما!

ظهرت هذه المقالة لأول مرة باللغة العربية في القدس العربي في 3 سبتمبر 2024

الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.

يرجى تفعيل JavaScript لعرض التعليقات.

شاركها.
Exit mobile version