تداول الأسهم اليومي ليس علمًا دقيقًا بقدر ما هو اختبار عاطفي. هذا ما كشفه المتداولون الأفراد في حديث مع مراسلنا خلال تجمع في الحي المالي بمدينة نيويورك. فبعيدًا عن الصورة النمطية للمتداول الناجح، يصف الكثيرون عملهم بأنه صراع مستمر يتطلب التحكم في الفشل، والتغلب على الذعر، والحفاظ على مظهر طبيعي أمام الأصدقاء والعائلة في الأيام التي تشهد خسائر كبيرة.

وتظهر هذه المعاناة بوضوح في البيانات الإحصائية، التي تؤكد مدى شيوع الفشل بين المتداولين اليوميين. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2020 أن ما يقرب من جميع المتداولين الذين استمروا لأكثر من 300 يوم انتهى بهم الأمر إلى خسارة أموالهم، بعد خصم الرسوم. ولم يتمكن سوى 1% منهم من تحقيق دخل يعادل الحد الأدنى للأجور.

التداول اليومي: تحدي السيطرة على المشاعر

أفاد أكثر من 35% من المتداولين أن أكبر تحدٍ يواجههم عند التداول هو إدارة عواطفهم أو التعامل مع الخسائر، وذلك وفقًا لاستطلاع أجرته شركة Quantified Strategies هذا العام. (كما أظهر سؤال منفصل في الاستطلاع أن التعامل مع الخسائر كان أكبر التحديات العاطفية التي واجهها المتداولون).

وأظهرت دراسة أخرى أجريت عام 2022 أن حوالي 23% من المتداولين يعانون من مستويات إجهاد معتدلة أو شديدة أو شديدة للغاية. إن إضافة الالتزامات المالية مثل الرهن العقاري والفواتير والأعباء الأسرية، يزيد من الضغط على المتداولين في الأيام المضطربة التي تشهد تقلبات حادة في الأسواق، حسبما صرح كيفن لو، وهو متداول يبلغ من العمر 44 عامًا.

يقول لو، الذي يقدم الإرشاد للمتداولين الآخرين من خلال منصة BullMentor، إنه لا ينزعج كثيرًا من الأيام التي تشهد انخفاضًا في السوق، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه يحافظ على انخفاض المخاطر ويذكر نفسه بأنه لديه وظيفة ثابتة يعتمد عليها. ولكن المتداولين الذين يوجههم يرسلون إليه أحيانًا رسائل نصية مذعورة يسألونه عما يجب عليهم فعله في الأيام المتقلبة.

“المشكلة دائمًا هي العواطف،” قال لو، مشيرًا إلى أن هذا هو الجزء الأصعب في أن تكون متداولاً. وتجدر الإشارة إلى أن إدارة المخاطر (risk management) هي شيء بالغ الأهمية في هذا المجال، وغالباً ما تُعتبر أحد أهم عوامل النجاح.

قصص من أرض التداول

ويؤكد المتداولون أن تطوير نظام تداول بأسس محددة والالتزام باستراتيجيات التداول أمر ضروري. ومع ذلك، قد يكون هذا أسهل قولا من فعلا.

يقول ريكاردو سالدانا، وهو متداول يبلغ من العمر 29 عامًا، إن أكبر تحدٍ عاطفي واجهه كان عندما حاول اجتياز أول عملية تحقق لشركة تداول احترافية (prop firm). فقد شعر بحماس شديد لاحتمال الوصول إلى رأس مال إضافي لدرجة أنه بدأ في الإفراط في التداول (overtrading)، وهي ظاهرة تتمثل في قيام المتداول بإجراء صفقات كثيرة جدًا وغالبًا ما تؤدي إلى الخسارة.

“شعرت بالتحطم. كان الأمر وكأنني ضيعت فرصتي،” قال سالدانا، مضيفًا أنه احتاج إلى أخذ إجازة من السوق لعدة أشهر ببساطة للتعافي. وفي مناسبة أخرى، خسر حوالي 100 ألف دولار بسبب تشتت انتباهه ومحاولته التداول من الحمام في العمل.

“التداول يعلمك الكثير عن نفسك، وستكتشف صفات لم تظن أنك تمتلكها أبدًا،” قال سالدانا، مضيفًا أن الاستجابة للفشل هي ما يميّز المتداول.

يقول ستيفن لين، وهو متداول يبلغ من العمر 30 عامًا، إن التعامل مع تقلبات السوق أمر مرهق، خاصةً مع وجود وظيفة بدوام كامل وحياة شخصية. وأضاف أنه كان يكافح من أجل عدم نقل أيام التداول السيئة إلى بيته، وأنه يعتقد أن كبت العواطف كان مشكلة كبيرة بين المتداولين.

“لأنك في يوم سيء في السوق، ستكون مضطربًا بعض الشيء، ثم تعود إلى المنزل إلى صديقتك أو أفراد عائلتك، وهم لا يعرفون ما مررت به. لذلك سيتصرفون كما لو أن كل شيء طبيعي، ولكن يجب أن أتنفس بعمق وأهدأ،” قال لين، مضيفًا أنه عادةً ما يخفي خسائره عن شريكته.

وأشار المتداولون إلى أن الشعور بالوحدة المرتبط بهذه المهنة هو قضية أخرى يمكن أن تجعل التداول أكثر صعوبة على المستوى العاطفي. ويعتبر تداول الأسهم بغرض الاستثمار (investment) أحد الأنشطة المالية الشائعة، ولكن التداول اليومي يختلف عنه في مستوى المخاطرة والضغط النفسي.

يعتقد مات براون، وهو متداول يبلغ من العمر 33 عامًا، أن الجزء الأكثر تحديًا في عمله الإضافي هو التعامل مع صعود وهبوط التداول بمفرده. “إما أن تخسر كل أموالك، أو تحاول البقاء على قيد الحياة لفترة كافية لتعلم شيء بنفسك،” قال براون، واصفًا ضغوط الحياة اليومية.

يقول سالدانا إنه لا يتحدث عن تداوله مع أي شخص في حياته. ويطمح إلى التداول بدوام كامل، لكن العديد من أصدقائه وعائلته لا يدعمون هذا الحلم. ويصف نفسه بأنه “ذئب وحيد” ويقول إن حضوره هذا التجمع كان محاولته الأولى للعثور على أشخاص يشبهونه.

وقد طور المتداولون، الذين استمروا في السوق لسنوات عديدة ولا يزالون بحاجة إلى دعم أنفسهم من خلال وظائف أخرى، بعض الاستراتيجيات للتعامل مع الضغوط العاطفية للسوق. حاول براون التعامل مع الأيام السيئة في السوق من خلال وجود نظام قوي لإدارة المخاطر، بما في ذلك وضع قيود على عدد الصفقات التي يمكنه تنفيذها في اليوم.

كما أنه يرى أخصائيًا نفسيًا لمساعدته في التعامل مع مشاكله العاطفية، والتي يعتقد أنها تعيقه في التداول. “قد تخاف من نجاحك، أو قد تدمر نفسك، أو تفتقر إلى الانضباط، أو تفتقر إلى الصبر،” قال براون، مضيفًا أنه يعتقد أن الانضباط والصبر هما أكبر مشاكله. “التداول هو مثل المرآة، على الأقل بالنسبة لي.”

يقول سالدانا إنه وجد أنه من المفيد الاحتفاظ بمذكرات جنبًا إلى جنب مع تداوله – وكتابة ملاحظات حول شعوره أثناء الصفقة، ولماذا اعتقد أن الصفقة كانت ذات قيمة، وما إذا كان هناك أي شيء كان يمكنه فعله بشكل أفضل. كما يحب أخذ فترات راحة منتظمة من السوق، مثل تحديد ساعات لا يُسمح له فيها بفحص محفظته، أو أخذ إجازة من التداول لعدة أشهر لتجنب الهوس بالخسائر.

“الشيء العظيم في التداول اليومي هو أن هناك دائمًا غدًا،” قال سالدانا، مشيرًا إلى أهمية الابتعاد عن الأسواق عند حدوث خسائر. “غدًا، في الساعة التاسعة صباحًا، ستشرق الشمس.”

من المتوقع أن يستمر التداول اليومي في جذب المزيد من الأفراد، خاصةً مع سهولة الوصول إلى منصات التداول عبر الإنترنت. ومع ذلك، من الضروري أن يكون المتداولون على دراية بالتحديات العاطفية التي تنطوي عليها هذه المهنة، وأن يطوروا استراتيجيات فعالة للتعامل معها. ستكون البيانات المستقبلية حول أداء المتداولين اليوميين، بالإضافة إلى الأبحاث حول علم النفس التجاري، ذات أهمية كبيرة في فهم هذه الظاهرة بشكل أفضل.

شاركها.
Exit mobile version