يثير الخبير الاقتصادي ومستشار الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، ستيف هانكي، تساؤلات حول المبالغة في الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي (AI)، مشيراً إلى أن هذا الحماس المفرط قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. يتفق هانكي مع عالم الذكاء الاصطناعي وأحد رواده، يان لوكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في ميتا، الذي يرى أن نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) مثل ChatGPT ليست ثورية بالقدر الذي يعتقده الكثيرون. ويرى لوكون، الذي غادر ميتا مؤخراً لتأسيس شركته الخاصة AMI Labs، أن هذه النماذج، على الرغم من فائدتها، تمثل “منعطفاً خاطئاً” في مسار الوصول إلى ذكاء اصطناعي بمستوى البشر، وأن فهمها للواقع سطحي للغاية.
يأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي طفرة استثمارية ضخمة، حيث تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة مثل OpenAI، مايكروسوفت، أمازون، ألفابت، وميتا، إلى ضخ مئات المليارات من الدولارات في تطوير البنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه التقنيات. وتتوقع هذه الشركات تحقيق إيرادات فلكية، مدفوعة بتوقعات بتحول جذري في الإنتاجية والأرباح بفضل الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن آراء الخبراء مثل هانكي ولوكون، بالإضافة إلى تحذيرات مستثمرين آخرين مثل مايكل بوري وجيريمي جرانهام، تلقي بظلال من الشك على هذا التفاؤل الجماعي، مشيرة إلى احتمالية انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي.
التفاؤل الحذر والتشكيك في الذكاء الاصطناعي
على الرغم من بعض القلق الأخير، يبدو أن ازدهار الذكاء الاصطناعي مستمر بقوة. ترددت أنباء عن قرب شركة OpenAI من جمع أكثر من 100 مليار دولار، بتقييم قد يصل إلى 850 مليار دولار، بعد أن تجاوزت إيراداتها السنوية 20 مليار دولار العام الماضي. وتشير توقعات الشركات الكبرى المعروفة بـ “المزودين الفائقين” (Hyperscalers) إلى استثمارات هائلة في البنية التحتية. فقد توقعت ميتا، أمازون، وألفابت مجتمعة أن تصل نفقاتها الرأسمالية لعام 2026 إلى 520 مليار دولار، بينما تستعد مايكروسوفت لاستثمار أكثر من 100 مليار دولار هذا العام.
يُعرف ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، بمنهجه المتحفظ تجاه الأسواق، وقد شغل مناصب بارزة في الاقتصاد، بما في ذلك مستشاراً للرئيس ريغان. وقد أشار هانكي في مقابلة سابقة إلى أن مدى عقلانية الابتهاج الحالي بالذكاء الاصطناعي سيعتمد بشكل كبير على قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحقيق توقعاتها الطموحة للإيرادات. وعبّر عن ذلك قائلاً: “قد يكون من الحكمة ربط أحزمة الأمان”.
المؤمنون والمتشككون في عصر الذكاء الاصطناعي
في مقابل هذا الحماس، يشاطر آخرون هانكي مخاوفه. فقد حذر مايكل بوري، المستثمر الشهير والمعروف بدوره في فيلم “The Big Short”، من أن عمالقة التكنولوجيا قد يفرطون في الاستثمار في الرقائق الدقيقة التي قد تصبح قديمة بسرعة، مما يؤدي إلى عوائد مخيبة للآمال. وبالمثل، أشار جيريمي جرانهام، الخبير المخضرم في فقاعات الاستثمار، إلى أن التقنيات التحويلية السابقة، مثل السكك الحديدية والإنترنت، شهدت فقاعات أولية انفجرت لاحقاً، ويتوقع أن يحدث الشيء نفسه مع الذكاء الاصطناعي.
من ناحية أخرى، يرى مؤيدو الذكاء الاصطناعي، بمن فيهم شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك وسام ألتمان، أن هذه التقنية ستحدث ثورة في الإنتاجية وتدر أرباحاً هائلة، مما يجعل الزيادات الحالية في التقييمات مبررة. ويشيرون إلى الإمكانات غير المحدودة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، من الطب إلى التعليم، معتبرين أن التحديات الحالية هي مجرد عقبات مؤقتة في مسار تقني سيغير وجه العالم.
تكمن النقطة الجوهرية للخلاف في تعريف “الثورية” ومدى عمق فهم نماذج الذكاء الاصطناعي للواقع. بينما يرى المتفائلون أن التطورات الحالية مجرد بداية، يرى المتشكون، مثل هانكي ولوكون، أن هناك حاجة إلى فهم أعمق للواقع وقدرات أكبر تتجاوز مجرد معالجة اللغة. ويتجسد هذا التباين في خطط هؤلاء الخبراء وغيرهم لابتكار أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، قادرة على التفاعل مع العالم المادي وفهمه بشكل حقيقي.
يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة الحالية ستؤتي ثمارها المرجوة، أم أنها تنذر بفقاعة استثمارية مشابهة لتلك التي شهدتها تقنيات سابقة. يترقب المستثمرون والمحللون عن كثب تقارير الأرباح المستقبلية لشركات الذكاء الاصطناعي، وكذلك الخطوات التالية في تطوير هذه التقنية. سيحدد مدى نجاح هذه الشركات في تحقيق وعودها، وإمكانية تجاوزها للتحديات التقنية والفلسفية المطروحة، مسار مستقبل الذكاء الاصطناعي وقيمته الحقيقية على المدى الطويل.

