يواصل جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورجان، هجومه اللفظي على العمل عن بعد، مؤكداً أن هذه الممارسة “لا تنجح” بالنسبة للعديد من الموظفين الشباب الذين يحتاجون إلى التدريب المباشر من زملائهم الأكثر خبرة. وقد أثار ديمون جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة التي أدلى بها في منتدى “The Hill and Valley Forum” في واشنطن العاصمة، حيث شدد على أهمية التفاعل وجهاً لوجه لتنمية الذكاء العاطفي وتطوير مهارات العمل، مشيراً إلى صعوبة الإدارة الفعالة عبر مكالمات الفيديو.

من جانبهم، اعترف خبراء العمل عن بعد بأن ديمون يطرح نقاطاً وجيهة، لا سيما فيما يتعلق بتدريب الموظفين الجدد. ومع ذلك، يرى هؤلاء الخبراء أن هذه النقاط لا تبرر العودة الكاملة إلى المكاتب، وأن نموذج العمل الهجين يوفر حلاً وسطاً فعالاً يجمع بين مزايا العمل المكتبي والمرونة التي يوفرها العمل عن بعد.

نقد ديمون للعمل عن بعد ومبرراته

كانت تصريحات ديمون واضحة في التعبير عن مخاوفه بشأن تأثير العمل عن بعد على الأداء العام للشركات، وخاصة على الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية. وأكد ديمون أن عملية التعلم في بيئة العمل لا تقتصر على تلقي المعلومات، بل تشمل أيضاً الملاحظة العملية والمشاركة المباشرة في المهام اليومية. وأوضح قائلاً: “إنهم يتعلمون عن طريق الذهاب معك في مكالمة مبيعات. يتعلمون من خلال رؤيتك ترتكب خطأ. يتعلمون من خلال كيفية تعاملك مع الخطأ”.

كما أشار إلى أن التفاعل والتعاون وجهاً لوجه يعززان تطوير الذكاء العاطفي، وهو جانب يعتبره ديمون صعب التحقيق عبر الوسائل الرقمية. ووصف ديمون الاجتماعات عبر الفيديو بأنها غالباً ما تشهد “القليل من المتابعة، والكثير من لعب الأدوار، والسياسات التي تقوم على الخداع”، مضيفاً أن “الكثير من الناس لا يولون انتباههم على الإطلاق”. وقام بتقليد شخص ينظر إلى هاتفه، معلقاً بأن “الأشخاص الذين يتواجدون على زووم، يخاطبون بعضهم البعض عبر الرسائل النصية”. وبالمقابل، أكد أن الاجتماعات بحضوره تضمن “اهتمامي الكامل طوال الوقت”.

ذكّر ديمون، الذي يرأس أكبر بنك أمريكي من حيث الأصول، بأن الأولوية الأولى لأي شركة يجب أن تكون إسعاد العملاء، وليس فقط الموظفين. وتساءل: “كيف ستشعر إذا كان كل شيء يدور حول إسعاد الموظف، بدلاً من الحصول على شريحتك المطبوخة جيداً أو مشروب المارتيني الخاص بك في الوقت المحدد؟”

مزايا العمل الهجين كحل وسط

من جهته، اعترف نيكولاس بلوم، أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد والمؤسس المشارك لـ WFH Research، بأن ديمون “يطرح بعض النقاط الجيدة”. وأشار بلوم إلى أن الموظفين الشباب في مجالات مثل التمويل قد يحتاجون إلى التواجد في المكتب ثلاثة أو أربعة أيام في الأسبوع. ومع ذلك، يرى بلوم أن تخصيص خمسة أيام في المكتب ليس ضرورياً لمعظم الموظفين، باستثناء بعض الأدوار المتخصصة مثل المتداولين.

وأوضح بلوم أن العديد من الموظفين، وخاصة أولئك الذين لديهم خبرة خمس سنوات أو أكثر، “يحتاجون إلى يوم واحد في الأسبوع للقراءة والتفكير وكتابة تقارير الأداء والعروض التقديمية وعروض العملاء، وما إلى ذلك”. وأضاف أن “هذه الأمور يتم تنفيذها بشكل أفضل في بيئة هادئة، وهذا عادة ما يكون في المنزل”.

يرى بلوم أن المشككين في العمل عن بعد غالباً ما يركزون على العمل عن بعد بالكامل لمهاجمته، ويتجاهلون الفوائد التي يوفرها نموذج العمل الهجين. وشبه الأمر بقوله: “إنه أشبه بالقول إنك لا تشرب لأنك إذا شربت 10 بيرة ستفقد الوعي – حسناً، يمكنك أن تشرب بيرة واحدة وتستمتع بها”.

يتفق رافي غاجندران، أستاذ القيادة والإدارة في جامعة فلوريدا الدولية، على أن بعض مخاوف ديمون “ربما تكون أقل أهمية في عالم العمل الهجين”. وقال إن تعليقات رئيس البنك ركزت بشكل كبير على سلبيات العمل عن بعد، مستشهداً بالأبحاث التي تظهر أن “فوائد المرونة تفوق تكاليف العزلة بالنسبة للنتائج الرئيسية مثل الرضا الوظيفي والالتزام والأداء ونوايا ترك العمل”. وأضاف غاجندران: “إذا كان العمل عن بعد يجعل الموظفين أكثر رضا والتزاماً وإنتاجية، فيجب أن يفيد ذلك العملاء في نهاية المطاف”.

معركة مستمرة ضد العمل عن بعد

لطالما كان ديمون من أشد المنتقدين للعمل عن بعد، حيث حذر لسنوات عديدة من أنه يعيق الابتكار ومشاركة المعلومات، ويبطئ عملية اتخاذ القرار، ويقلل من الكفاءة، ويشجع على سياسات البيروقراطية. وفي رسالته السنوية للمساهمين لعام 2021، كتب ديمون: “يلغي العمل عن بعد الكثير من التعلم الإبداعي العفوي لأنك لا تلتقي بالناس عند آلة القهوة، أو تتحدث مع العملاء في سيناريوهات غير مخطط لها، أو تسافر للقاء العملاء والموظفين للحصول على تعليقات حول منتجاتك وخدماتك”.

عاد ديمون، الذي فرض قبل عام تقريباً عودة إلزامية لكامل الموظفين بدوام كامل إلى المكتب، ليشن حملة قوية ضد العمل عن بعد في تسجيل صوتي تم تسريبه في أوائل العام الماضي. وقال ديمون: “أتصل بالكثير من الأشخاص يوم الجمعة، ولا يمكنني الحصول على أي شخص على الإطلاق”.

ومع ذلك، فإن ديمون ليس الوحيد من قادة الأعمال الذين يعارضون العمل عن بعد. فقد صرح إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، في العام الماضي بأنه تعلم الكثير من الاستماع إلى كبار زملائه وهم يتجادلون في السنوات الأولى من حياته المهنية، متسائلاً: “كيف يمكن إعادة خلق ذلك في هذا الشيء الجديد؟”. كما صرح إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي تسلا وسبيس إكس، بأن من غير العدل أن يتوقع “طبقات الكمبيوتر المحمول” البقاء في المنزل بينما يذهب الآخرون إلى العمل لصنع سياراتهم، أو توصيل طعامهم، أو إصلاح منازلهم. ووصف ماسك، أغنى رجل في العالم، أن أنصار العمل عن بعد “منفصلون عن الواقع” وبأن تحركاتهم تعطي “انطباع ماري أنطوانيت”.

تعتبر هذه المعركة ضد العمل عن بعد، والتي يقودها شخصيات بارزة مثل جيمي ديمون، مؤشراً على التوترات المستمرة بين أساليب العمل التقليدية والمقاربات الحديثة التي فرضتها التكنولوجيا. ومن المتوقع أن تستمر النقاشات حول أفضل نماذج العمل التي تحقق التوازن بين الإنتاجية ورضا الموظفين، وقد تشهد الأسابيع والأشهر القادمة المزيد من التصريحات والسياسات الجديدة من كبرى الشركات في هذا الشأن.

شاركها.
Exit mobile version