يشهد قطاع السفر بالقطارات في الولايات المتحدة الأمريكية انتعاشًا ملحوظًا، حيث سجلت شركة “Amtrak” (أمتراك) عامًا قياسيًا في عام 2025 من حيث عدد الركاب والإيرادات. هذا التحول يعكس تزايد الاهتمام بالسفر بالقطارات كبديل مريح وأكثر استدامة للطيران والقيادة، مدفوعًا بالاستثمارات الحكومية المتزايدة في البنية التحتية للسكك الحديدية. يشهد السفر بالقطارات في أمريكا زيادة في شعبيته، مما يجعله خيارًا جذابًا للمسافرين الباحثين عن تجربة فريدة.

حققت “أمتراك” 34.5 مليون رحلة للركاب وإيرادات بلغت 2.7 مليار دولار أمريكي في عامها المالي الذي انتهى في سبتمبر، بزيادة قدرها 10% مقارنة بالعام السابق. يأتي هذا النمو في وقت تسعى فيه الشركة لتحقيق الربحية التشغيلية بحلول عام 2028، معتمدة بشكل كبير على التمويل الفيدرالي. على الرغم من الاعتماد على الدعم الحكومي، إلا أن هذه الأرقام تشير إلى تحول كبير في تفضيلات المسافرين.

الاستثمار في شركة أمتراك يعزز من جاذبية السفر بالقطارات

تستفيد “أمتراك” من استثمارات كبيرة في البنية التحتية، مما يحسن من تجربة السفر بشكل عام. على الرغم من تأسيسها كمؤسسة ربحية، إلا أن الحكومة الأمريكية تمتلك غالبية أسهم “أمتراك”، وتعمل كشركة مُخولة فدراليًا. تم إنشاء “أمتراك” في عام 1970 بعد أن بدأت السكك الحديدية الخاصة في تكبد خسائر في عملياتها لنقل الركاب، ولكن تم اعتبار خدمة القطارات ضرورية للصالح العام.

تقدم “أمتراك” اليوم ثلاثة أنواع رئيسية من الخدمات: الممر الشمالي الشرقي الذي يربط بين بوسطن وواشنطن العاصمة مع العديد من المحطات الوسيطة، والرحلات الطويلة التي تعبر البلاد، والرحلات القصيرة المدعومة من الولايات.

يُعتبر الممر الشمالي الشرقي “جوهرة التاج” لـ “أمتراك”، حيث يحقق الجزء الأكبر من إيراداتها، خاصةً في الرحلات القصيرة بين المدن الرئيسية في الساحل الشرقي. وفقًا للبروفيسور آلان زاريمبسكي، مدير برنامج هندسة وسلامة السكك الحديدية في جامعة ديلاوير، فإن هذا الممر يتميز بكثافة الركاب العالية والربحية.

أفاد مارك ماجلياري، المتحدث باسم “أمتراك”، أن غالبية ركاب الشركة يفضلون الرحلات القصيرة على الرحلات الطويلة عبر البلاد. هذا يشير إلى أن “أمتراك” تلعب دورًا حيويًا في ربط المدن والمجتمعات المحلية.

على الرغم من التحسينات، لا تزال “أمتراك” تواجه بعض التحديات، مثل التأخيرات المتكررة وتقادم عربات القطار. ومع ذلك، فإن الاستثمارات الأخيرة ساهمت في تعزيز جاذبيتها. صرحت سارة كوفمان، مديرة مركز رودين للنقل في جامعة نيويورك، بأن “أمتراك” قامت باستثمارات رأسمالية كبيرة أثبتت فعاليتها.

تضمن قانون البنية التحتية الثنائي لعام 2021 تخصيص 22 مليار دولار لـ “أمتراك” على مدى خمس سنوات، بهدف استبدال الأصول القديمة وتحسين المحطات وتحديث الأسطول. وقد أدى ذلك إلى تحسين المسارات والقطارات والمحطات، مما جعل تجربة السفر أكثر متعة وراحة. كما قامت الشركة باستثمارات قياسية بلغت 5.5 مليار دولار في مشاريع رأسمالية في عامها المالي 2025، بزيادة قدرها 24% عن العام السابق.

تحديات مستمرة تواجه أمتراك

لا تزال القطارات لمسافات طويلة، التي غالبًا ما تسير على مسارات مملوكة لشركات السكك الحديدية للشحن، عرضة للتأخير بسبب الازدحام أو الظروف الجوية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال بعض المسارات تعاني من المعدات القديمة. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذه المشكلات أقل وضوحًا في الممرات القصيرة ذات الطلب المرتفع.

السفر بالقطارات يكتسب شعبية كبديل للقيادة والطيران

أصبح السفر بالقطارات أكثر جاذبية مقارنة بالقيادة أو الطيران، خاصةً عندما تكون الخيارات متقاربة. وفقًا لزاريمبسكي، فإن العوامل الرئيسية التي تؤثر على قرار المسافر تشمل التكلفة والراحة والوقت. يشير ماجلياري إلى أن القيادة هي المنافس الرئيسي لـ “أمتراك”، وأنها أصبحت أقل متعة بسبب استخدام السائقين للهواتف المحمولة وزيادة الازدحام المروري.

يوفر السفر بالقطارات للمسافرين إمكانية الإنتاجية أثناء الرحلة، على عكس القيادة. يقول ماجلياري: “الوقت الذي تقضيه خلف عجلة القيادة هو وقت ضائع”، بينما يمكن لركاب “أمتراك” العمل وكسب المال أثناء السفر.

تتنافس “أمتراك” أيضًا مع الطيران في بعض الأسواق، خاصةً في الرحلات القصيرة في الشمال الشرقي أو الغرب الأوسط، مما يسمح لها بجذب العملاء الذين لا يرغبون في التعامل مع ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والرسوم الإضافية. في كثير من الحالات، يكون السفر بالقطار أسهل من الطيران وأكثر تنافسية من حيث التكلفة في المسارات القصيرة.

تتميز رحلات القطار بالعديد من المزايا، مثل عدم وجود قيود على حجم الأمتعة، وعدم الحاجة إلى إجراءات الإقلاع والهبوط، وسهولة عملية الصعود إلى القطار. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمسافرين الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة. كما أن السفر بالقطارات يساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية، مما يجعله خيارًا صديقًا للبيئة.

تتأثر “أمتراك” أيضًا بعوامل سياسية وثقافية. منذ إنشائها، لم تحقق “أمتراك” الربح، وهو أمر شائع في خدمات السكك الحديدية للركاب حول العالم. يقول زاريمبسكي إن معظم خدمات السكك الحديدية للركاب لا يمكنها تغطية تكاليفها الرأسمالية، وبالتالي تحتاج إلى دعم حكومي.

تؤكد “أمتراك” أنها لم تُنشأ بهدف تحقيق الربح، بل بهدف توفير خدمة سكك حديدية للركاب فعالة. كما تشير إلى أن خدمات النقل الأخرى المدعومة من الحكومة الفيدرالية، مثل الطرق السريعة والنقل العام والخدمات الجوية، ليست مربحة أيضًا.

ومع ذلك، يرى زاريمبسكي أن “العنصر الأساسي” فيما يتعلق بـ “أمتراك” هو السياسة. عندما تكون البيئة السياسية مواتية للسكك الحديدية للركاب، يميل التمويل الفيدرالي إلى الزيادة، وعندما يقل الدعم، تواجه “أمتراك” صعوبات. لحسن الحظ، شهدت السنوات القليلة الماضية “بيئة مواتية للركاب”.

تضيف كوفمان أن وجود رئيس “مؤيد لـ أمتراك” مثل الرئيس السابق جو بايدن، الذي كان يُلقب بـ “جو أمتراك” بسبب حبه للقطارات وتنقلاته اليومية بالقطار أثناء فترة عمله في الكونجرس، كان مفيدًا للغاية للشركة. ومع ذلك، من الصعب التنبؤ بمستقبل الاستثمارات الرأسمالية في “أمتراك”.

تشير إلى أن “أمتراك” تستثمر بذكاء في العقارات حول محطاتها، مما قد يوفر مصدر دخل مستدامًا. كما أن هناك تحولًا ثقافيًا نحو السفر الصديق للبيئة والتجريبي، مما ساهم في زيادة شعبية “أمتراك”. يقول ماجلياري إن الشركة تحقق أداءً جيدًا للغاية مع الفئة السكانية الشابة.

يختتم ماجلياري: “يمكنك رؤية المزيد من البلاد وحياة الناس، سواء كانت جيدة أم سيئة، على متن قطاراتنا. وهذا جزء من التجربة أيضًا”. ويضيف: “السحب تبدو متشابهة تمامًا على ارتفاع 35000 قدم. البلد يبدو مختلفًا تمامًا من مستوى الأرض”.

من المتوقع أن تستمر “أمتراك” في التوسع وتحسين خدماتها في السنوات القادمة، مع التركيز على تحديث الأسطول وتحسين البنية التحتية. ومع ذلك، فإن مستقبل الشركة يعتمد بشكل كبير على الدعم السياسي والتمويل الفيدرالي المستمر. يجب مراقبة التطورات السياسية والاقتصادية عن كثب لتقييم تأثيرها على “أمتراك” وقدرتها على تحقيق أهدافها طويلة الأجل.

شاركها.
Exit mobile version