تركت رحلة الشاب عشريني العمر، عِشراق خان، بصمة واضحة في عالم التكنولوجيا، حيث أسس شركة “كوديزي” (Kodezi) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ليتحول شغفه بالبرمجة إلى ريادة أعمال ناجحة. هذه القصة، التي شاركها خان مع Business Insider، تسلط الضوء على رحلته الملهمة من بنغلاديش إلى وادي السيليكون، مرورًا بتحديات تأسيس شركة تقنية ناشئة في سن مبكرة، وكيف استطاع تحويل فكرة بسيطة إلى كيان اقتصادي واعد.
بدأت قصة خان في الولايات المتحدة عام 2011، بعد انتقاله مع عائلته من بنغلاديش. كان حبه للبرمجة رحلته الأولى، حيث اكتشف عالم الأكواد من خلال مقاطع فيديو تعليمية على يوتيوب. خلال سنته الأولى في المدرسة الثانوية، لاحظ أن زملاءه يقضون وقتًا طويلاً في تصحيح الأخطاء البرمجية، مما دفعه للتساؤل عن جدوى وجود أداة يمكنها إصلاح هذه الأخطاء تلقائيًا، على غرار “جرامرلي” (Grammarly) لمحرري النصوص.
بداية رحلة ريادة الأعمال في عمر مبكر
استغرق خان حوالي عام لتطوير نموذج أولي لهذه الفكرة، مع التركيز على تعلم آليات التعلم الآلي وكيفية أتمتة عملية إصلاح الأكواد. تزامن هذا العمل مع بداية اهتمامه بمجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في تطوير البرمجيات. كان هذا الجهد هو الشرارة الأولى لتأسيس شركته “كوديزي”.
في سنته الأخيرة من المرحلة الثانوية، تلقى خان أول مكالمة من مستثمر رأس مال مخاطر (VC)، أبدى اهتمامه بما كان يبنيه. أدرك خان حينها أن شركته تحتاج إلى نموذج مدر للربح، مما دفعه لتوسيع نطاق فكرته لتصبح “كوديزي” كما نعرفها اليوم. كان تأسيس شركة ذكاء اصطناعي في سن 17 عامًا يتطلب جرأة ومثابرة، وكان تواصله عبر البريد الإلكتروني مع شخصيات بارزة في عالم التكنولوجيا هو مفتاحه الأول.
كان خان يرسل رسائل بريد إلكتروني لرؤساء تنفيذيين، ومؤسسي شركات ناشئة، وباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي، ورؤوس أموال مخاطر، سعيًا للحصول على فرص تدريب واكتساب الخبرة. تطورت هذه الرسائل بمرور الوقت إلى حوارات حول مشروعه مع شخصيات مرموقة. كما استفاد من فرصة لحضور مؤتمر “أورلاندو سينابس” (Orlando Synapse) مجانًا، بعد تواصله مع المنظمين وعرض فكرته، مما أتاح له عرض مشروعه أمام جمهور أوسع.
تحصين الاستثمار وتخطي الشكوك
بعد حضوره المؤتمر، نشر خان منشورًا على منصة لينكد إن (LinkedIn) حول تجربته، مما أدى إلى حصوله على أحد أوائل المستثمرين الملائكيين. قبل بلوغه الثامنة عشرة، تمكن خان من جمع استثمار بقيمة 20,000 دولار. شكل إقناع المستثمرين أكبر تحدٍ أمامه، خاصة في ظل غياب أدوات مثل ChatGPT، حيث كانت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تزال تُعتبر تجريبية.
واجه خان شكوكًا كبيرة حول جدوى بناء منصة برمجة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى التساؤلات حول قدرته على تنفيذ هذا المشروع المعقد في سن مبكرة. تغيرت النظرة إلى مشروعه بشكل كبير بعد الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، مما سهّل على المستثمرين فهم جدواه.
في سن 19، جمع خان 800,000 دولار، وقبل بلوغه 22 عامًا، تصل قيمة التمويل الذي حصلت عليه شركته إلى مليوني دولار. اعتمد خان على استراتيجية محددة للإجابة على أسئلة المستثمرين الرئيسية: ما الذي تبنيه؟ لماذا هو مهم؟ ولماذا سيصبح شركة بمليار دولار؟ كما شدد على ضرورة إقناعهم بأنه الشخص المناسب لتنفيذ هذه الرؤية.
لتجاوز رفض المستثمرين، حول خان المقابلات إلى استجواب له لهم، حيث كان يسعى لفهم دوافعهم وأهدافهم الاستثمارية، مما ساعده في تحديد ما إذا كانوا مناسبين لشركته. هذا النهج مكنه من اتخاذ قرارات استثمارية أكثر استراتيجية.
قرار تخطي الجامعة والتركيز على “كوديزي”
واجه خان تحديًا كبيرًا آخر تمثل في قرار ما إذا كان سيتابع تعليمه الجامعي أم يعمل بدوام كامل في شركته وهو في سن 17 عامًا. على الرغم من قبوله في أكثر من اثنتي عشرة جامعة، بما في ذلك جامعات مرموقة، إلا أنه قرر تخطي التعليم الجامعي بالكامل. كان إعلانه المتردد حول نيته في الالتحاق بالجامعة سببًا في عدم يقين بعض المستثمرين.
أدرك خان أن متابعة التعليم الأكاديمي في تلك المرحلة كانت ستحد من فرصه في بناء شركته، وأنه يمكن دائمًا العودة إلى الجامعة لاحقًا. كان يخشى أن يؤدي الانتظار إلى أن يقوم آخرون ببناء ما يطمح إليه، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يتطور بسرعة.
على عكس العديد من أصدقائه الذين كانوا يتخرجون ثم يبحثون عن وظائف، كان خان يبني وظيفته ومستقبله بنفسه. لا يشعر خان بالندم على قرار تخطي الجامعة، لكنه يعترف بأن الجامعة توفر بيئة اجتماعية فريدة يصعب تكرارها، حيث يسهل تكوين صداقات مع الأقران في نفس المرحلة الحياتية.
لكن، يرى خان أن الأشخاص الذين يتفاعل معهم الآن هم صانعو المحتوى ورواد أعمال طموحون، وهي بيئة تشاركية قوية تدفع نحو إنجازات ذات مغزى. يرى أن تكلفة الفرصة البديلة كانت تستحق التضحية من أجله.
نصائح للمؤسسين الطموحين ورؤية مستقبلية
ينصح خان المؤسسين الطموحين في مجال الذكاء الاصطناعي بـ “فعل ما تقوم به بأسرع وقت ممكن”، مع التأكيد على ضرورة الحصول على ملاحظات من أشخاص خارج دائرة الأصدقاء لتقييم مدى فعالية المنتج. يدعو إلى عدم السعي وراء مقياس “النجاح” الذي قد يكون محدودًا، بل التركيز على “التميز الداخلي” الذي سيؤدي في النهاية إلى نتيجة ناجحة.
بالنسبة لرؤيته المستقبلية، يتصور خان نفسه مستمرًا في بناء شركته في سن الثلاثين. يعتقد أن العالم بحاجة إلى المزيد من الابتكار، وأن المؤسسين الشباب، خاصة مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي، سيكونون في طليعة هذا التغيير. بعد ست سنوات من إدارة “كوديزي” ونموها لتضم أكثر من 35 موظفًا، يطمح خان إلى الهيمنة على طبقة صيانة الأكواد للشركات الكبرى.
يهدف إلى أن تصبح “كوديزي” النظام الافتراضي الذي تعتمد عليه الشركات للحفاظ على صحة قواعد بياناتها على المدى الطويل. يصف مهمة الشركة بأنها “الميكانيكي الآلي للبرمجيات”، تشبيهًا ببناء السيارة وصيانتها، حيث تركز “كوديزي” على الجانب الميكانيكي والحفاظ على رونق البرمجيات. يتوقع أن يشهد هذا القطاع نموًا كبيرًا خلال السنوات القادمة، خاصة مع ازدياد تعقيد الأنظمة البرمجية.

