كشفت شركة PwC، إحدى شركات الاستشارات الأربع الكبرى، عن تطويرها لوكيل ذكاء اصطناعي متقدم (“AI agent”) قادر على التعامل مع جداول البيانات الضخمة والمعقدة التي تستخدمها الشركات، وذلك في خطوة تعكس تركيز الشركة على التطبيقات العملية وغير البراقة للذكاء الاصطناعي. يأتي هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه المنافسة في قطاع الاستشارات، حيث تسعى الشركات الكبرى إلى تعزيز قدراتها التقنية لمواكبة التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي.
حسب مات وود، المسؤول العالمي عن التكنولوجيا والابتكار التجاري في PwC، فإن القوة الحقيقية لخبرة الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي لا تكمن في العناوين الرنانة، بل في العمل “غير المثير” الذي يتم إنجازه خلف الكواليس. وقد سلط وود الضوء على الأهمية البالغة لجداول البيانات في بيئات العمل المؤسساتية، مشيراً إلى أن الأنظمة التقليدية للذكاء الاصطناعي غالباً ما تواجه صعوبات في التعامل مع حجمها وتعقيدها والترابطات المتشعبة بينها.
تحدي جداول البيانات المعقدة
تُعد جداول البيانات المؤسساتية أكثر بكثير من مجرد قوائم بسيطة؛ فهي غالبًا ما تحتوي على ملايين الخلايا، ورسومات بيانية، وصور، وإيصالات، وعشرات من أوراق العمل المترابطة. صرح وود لـ Business Insider بأن هذه الملفات “تشبه المحركات المالية أكثر من كونها جداول بيانات عادية”، وهي تشكل أساسًا لاتخاذ قرارات حاسمة في الأعمال. ومع ذلك، وجدت PwC أن حتى أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة كانت “غير ملائمة تمامًا” لإدارة هذه الجداول المعقدة، مما يدفعها إلى “التخلي عن المهمة” في كثير من الأحيان.
وهنا يأتي دور العميل الجديد لـ PwC. صُمم هذا العميل الجديد ليكون قادرًا على فهم والتنقل عبر جداول البيانات الضخمة، محاكيًا سلوك “الممارسين ذوي الخبرة: المسح، البحث، التنقل بين علامات التبويب، دمج الرسوم البيانية والإيصالات، والاستنتاج”. وتصف PwC هذا الاختراع بأنه “تقدم حقيقي في هذا المجال”.
تطبيقات عملية وتوفير الوقت
أثمرت جهود مهندسي PwC في تطوير هذا العميل الذكي عن فتح آفاق استخدامات جديدة في مجالات التدقيق، والاستشارات، والضرائب. وبحسب وود، فقد نجح هذا العميل في تقليص الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام “من أيام إلى ساعات”.
على سبيل المثال، كانت فرق التدقيق تقضي أسابيع في جمع وتدقيق الأدلة يدويًا عبر جداول بيانات معقدة ومتعددة، وهو ما لم تتمكن أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية من التعامل معه. الآن، يمكن للمستخدمين ببساطة تحميل الملفات، وسيقوم العميل الذكي تلقائيًا برسم خرائط لهيكلها، واستخلاص البيانات ذات الصلة، وإجراء فحوصات التحقق والاتساق. هذه القدرة على معالجة ملايين الصفوف يدويًا توفر وقتًا ثمينًا، وتؤدي إلى اجتماعات أسرع، وتواصل أقل مع العملاء، وبيانات منظمة جاهزة لتحليلات أعمق مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
الاستشارات مدعومة بالمهندسين
تم بناء عميل جداول البيانات الخاص بـ PwC من قبل مهندسي الشركة داخليًا، وهو توسع يعكس تحول الشركة بعيدًا عن أدوارها التقليدية كإحدى شركات “الأربع الكبار”. في يناير، أطلقت PwC مسارًا وظيفيًا متخصصًا في هندسة التكنولوجيا لجذب المزيد من المواهب التقنية، بهدف أن تصبح “وجهة للمواهب الهندسية المتميزة”.
يذكر أن الشركة كانت تقدم سابقًا مسارات وظيفية في الاستشارات والمحاسبة فقط. يرى وود أن إضافة المسار الهندسي هو “علامة فارقة” لخططها المستقبلية. بالتوازي مع ذلك، تقوم PwC بإعادة تدريب الموظفين غير التقنيين، حيث أعلنت مؤخرًا عن استراتيجية تعلم شاملة تركز على تبادل المعرفة وتطوير مزيج من المهارات البشرية ومهارات الذكاء الاصطناعي اللازمة للمستقبل.
يقسم وود عمل المهندسين في PwC إلى وضعين: “تحويل الحاضر” و”البناء للمستقبل”. يركز الأول على تحسين سير العمل الحالي، بينما يسعى الثاني إلى إعادة تصور الخدمات المهنية من الصفر في عالم تهيمن عليه وكلاء الذكاء الاصطناعي. يعمل مهندسو PwC أيضًا بشكل مباشر في مشاريع العملاء، حيث يبنون أنظمة ذكاء اصطناعي مخصصة.
استثمارات متزايدة في المواهب التقنية
تتجه العديد من الشركات الرائدة في قطاع الاستشارات إلى استثمارات مماثلة في المواهب التقنية مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لطبيعة عملهم. فقد أضافت Accenture، التي تُعد بالفعل من أكثر الشركات تقدمًا من الناحية التقنية، حوالي 40 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي والبيانات في العامين الماضيين، ليشكلوا حوالي 10% من قوتها العاملة العالمية. كما قامت EY، وهي شركة أخرى من الأربع الكبار، بتعيين 61 ألف تقني منذ عام 2023.
تشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الاستشارات يتشكل بشكل متزايد من خلال القدرات التقنية، وأن الشركات التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقاتها العملية، حتى في المجالات “غير المثيرة” مثل جداول البيانات، هي التي ستكون في وضع أفضل للمنافسة والنمو في السنوات القادمة.

