على الرغم من انخفاض معدلات البطالة، تشير التفاصيل الأخيرة لتقرير سوق العمل إلى صورة أكثر تعقيدًا من مجرد استقرار. هذا التقرير، الذي يركز على أداء سوق العمل الأمريكي خلال شهر ديسمبر 2025، يكشف عن تباينات كبيرة في التوظيف عبر القطاعات المختلفة، وتعديلات سلبية في البيانات السابقة، وتزايد في أعداد العاطلين عن العمل لفترات طويلة. هذه العوامل مجتمعة تثير تساؤلات حول قوة التعافي الاقتصادي الحقيقية.
تباطؤ نمو الوظائف وتفاوت التوظيف بين القطاعات
لم يكن الانخفاض في البطالة وحده كافيًا لإخفاء علامات التباطؤ في نمو الوظائف. ففي حين شهد قطاعا الترفيه والضيافة والرعاية الصحية نموًا ملحوظًا في التوظيف، مما ساهم بشكل كبير في الأرقام الإيجابية، إلا أن خمسة من أحد عشر قطاعًا رئيسيًا في الاقتصاد سجلت انخفاضًا في عدد الموظفين.
القطاعات المتأثرة سلبًا
شملت القطاعات التي شهدت تراجعًا في التوظيف قطاعي التجارة بالتجزئة والبناء، بالإضافة إلى قطاع التصنيع. هذا التفاوت يشير إلى أن النمو الاقتصادي ليس شاملاً، وأن بعض القطاعات لا تزال تعاني من تحديات كبيرة. هذا التركيز على قطاعات معينة يثير قلقًا بشأن مدى استدامة هذا النمو.
أداء ضعيف للقطاع الخاص وتعديلات البيانات
لم يساهم القطاع الخاص بشكل كبير في خلق فرص العمل الجديدة، حيث أضاف 37 ألف وظيفة فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بالزيادة التي شهدها نفس الفترة من العام السابق. بالإضافة إلى ذلك، تم تعديل بيانات الرواتب لشهرَي أكتوبر ونوفمبر 2025 نزولاً بمقدار 76 ألف وظيفة، مما قلل من الزخم الظاهر في سوق العمل.
عام 2025: أضعف عام لنمو الوظائف منذ 2020
أظهرت الأرقام النهائية لعام 2025 أن إجمالي الوظائف المضافة بلغ 584 ألف وظيفة فقط. وهذا يمثل أضعف أداء سنوي لنمو الوظائف منذ عام 2020، عندما تسبب جائحة كوفيد-19 في انهيار حاد في سوق العمل. هذا الرقم يثير تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على استعادة مستويات التوظيف التي كانت سائدة قبل الجائحة.
تراجع المشاركة في القوى العاملة وزيادة البطالة طويلة الأمد
شهد معدل مشاركة القوى العاملة انخفاضًا طفيفًا ليصل إلى 62.4٪. على الرغم من بقاء معدل مشاركة العاملين في الفئة العمرية الأكثر إنتاجية (25-54 عامًا) مستقرًا، إلا أن هناك اتجاهًا مقلقًا يتمثل في زيادة عدد الأشخاص العاطلين عن العمل لفترات طويلة (27 أسبوعًا أو أكثر).
ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل لفترات طويلة
ارتفع عدد العاطلين عن العمل لفترات طويلة بنحو 400 ألف شخص في عام 2025، وهو أكبر زيادة سنوية منذ بداية الجائحة. هذا يشير إلى أن بعض العمال يواجهون صعوبات متزايدة في العثور على وظائف، وأن مهاراتهم قد تحتاج إلى تحديث لتلبية متطلبات الوظائف المتاحة.
زيادة التوظيف الجزئي بسبب الظروف الاقتصادية
لوحظ أيضًا زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يعملون بدوام جزئي بسبب عدم توفر وظائف بدوام كامل، مما يعكس حالة من عدم اليقين المتزايدة بين العمال. هذا الاتجاه يمكن أن يؤثر سلبًا على الدخل المتاح للأسر ويقلل من الإنفاق الاستهلاكي.
ردود فعل السوق وتوجهات الاحتياطي الفيدرالي
في ظل تباطؤ سوق العمل، قام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة ثلاث مرات نحو نهاية عام 2025. ومع ذلك، بعد صدور تقرير ديسمبر، بدأ المستثمرون في التراجع عن الرهانات على مزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة. ارتفعت عوائد السندات، وتتوقع الأسواق الآن أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه في يناير.
الآثار المترتبة على السياسة النقدية
هذا التحول في توقعات السوق يضع ضغوطًا على الاحتياطي الفيدرالي لإعادة تقييم مساره للسياسة النقدية. قد يضطر البنك المركزي إلى تبني موقف أكثر حذرًا، وتأجيل أي تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة حتى يظهر المزيد من الأدلة على استقرار سوق العمل. الوضع يتطلب مراقبة دقيقة للبيانات الاقتصادية القادمة.
الخلاصة
باختصار، على الرغم من أن الأرقام الأولية قد تشير إلى تحسن في سوق العمل الأمريكي، إلا أن تحليلًا أعمق يكشف عن صورة أكثر تعقيدًا. التباين في التوظيف بين القطاعات، والأداء الضعيف للقطاع الخاص، وتعديلات البيانات السلبية، وزيادة البطالة طويلة الأمد، كلها عوامل تشير إلى أن التعافي الاقتصادي لا يزال هشًا وغير مكتمل. من الضروري متابعة هذه التطورات عن كثب، وتقييم تأثيرها على الاقتصاد بشكل عام. ندعو القراء إلى مشاركة آرائهم حول هذا التقرير وتوقعاتهم لمستقبل سوق العمل في الولايات المتحدة.

