في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة، تتجه حكومة العمال البريطانية نحو استراتيجية مالية دقيقة، مدفوعة بالتزاماتها الانتخابية الصارمة. هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى سد فجوة مالية كبيرة تقدر بنحو 30-40 مليار جنيه إسترليني، تركز بشكل كبير على ما يُعرف بـ “الضرائب الخفية” وتدابير مُستهدفة على الثروات، مع الالتزام بعدم زيادة الضرائب على الدخل أو التأمين الوطني أو ضريبة القيمة المضافة، والحد من ضريبة الشركات عند 25%. وستكون هذه الاستراتيجية محور تحليلنا في هذا المقال.

استراتيجية الحزب العمالي المالية: بين الوعود والواقع الضريبي (Fiscal Strategy)

تعتبر الاستراتيجية المالية للحزب العمالي تحديًا فريدًا من نوعه. فبينما يسعى الحزب إلى الوفاء بوعوده الانتخابية المتعلقة بالإنفاق وزيادة الدعم الاجتماعي، فإنه يجد نفسه مقيدًا بوعود مماثلة فيما يتعلق بالضرائب. هذا القيد يجبر وزير المالية على اللجوء إلى طرق مبتكرة لزيادة الإيرادات دون المساس بالشرائح الأكثر تواضعًا في المجتمع.

سد الفجوة المالية الضخمة

تشير التقديرات إلى أن حجم الفجوة المالية التي تواجهها الحكومة يبلغ نحو 30 إلى 40 مليار جنيه إسترليني. هذا المبلغ الكبير ضروري لتمويل مجموعة واسعة من الالتزامات، بما في ذلك زيادة المعاشات التقاعدية الحكومية ودعم الأسر الكبيرة. ومع ذلك، فإن الالتزام بعدم زيادة الضرائب المباشرة يمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق هذا الهدف.

محرك الإيرادات: الضرائب الخفية عبر الجر الضريبي (Fiscal Drag)

الآلية الرئيسية التي تعتمد عليها الحكومة لتعزيز إيراداتها هي ما يسمى “بالجر الضريبي” (Fiscal Drag). هذا المصطلح يشير إلى تجميد مستويات الدخل التي تبدأ عندها شرائح معينة من المواطنين في دفع الضرائب. بعبارة أخرى، مع ارتفاع الأجور والتضخم – الذي بلغ 3.6% في أكتوبر 2025 – سيتم دفع المزيد من الأشخاص إلى شرائح ضريبية أعلى، حتى وإن لم تتغير النسب الضريبية المعلنة.

تأثير الجر الضريبي على دافعي الضرائب

من المتوقع أن يحقق “الجر الضريبي” إيرادات ضخمة تصل إلى 42.9 مليار جنيه إسترليني بحلول عام 2027. والأكثر من ذلك، أنه سيزيد عدد دافعي الضرائب ذوي الدخل المرتفع من أربعة ملايين إلى أكثر من عشرة ملايين. بينما يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها وسيلة للحفاظ على الوعود الانتخابية، إلا أنها تثير قلق الاقتصاديين بشأن تأثيرها المحتمل على الحوافز الوظيفية والمدخرات. هل سيؤدي ارتفاع الأعباء الضريبية إلى تثبيط عزيمة الناس للعمل بجد أكبر أو توفير المال؟ هذا سؤال يطرحه العديد من الخبراء.

تدابير مستهدفة على الثروات والتزامات الإنفاق

بالإضافة إلى “الضرائب الخفية”، تتجه الحكومة نحو اتخاذ تدابير ضريبية مُستهدفة على الأصول والممتلكات، والتي تعتبرها غير مُخضعة للضريبة بشكل كاف. قد تتضمن هذه التدابير زيادة الضرائب على الأرباح الناتجة عن بيع الأصول (ضريبة مكاسب رأس المال)، وتشديد القواعد المتعلقة بالميراث والهدايا المعفاة من الضرائب، وزيادة الضرائب على المنازل الفاخرة، وربما حتى تطبيق “ضريبة القصور” على العقارات التي تزيد قيمتها عن 2 مليون جنيه إسترليني.

تمويل الالتزامات الاجتماعية

تأتي هذه الإجراءات الإضافية لتغطية تكاليف الالتزامات الاجتماعية المكلفة مثل زيادة المعاشات التقاعدية بأكثر من 550 جنيه إسترليني سنويًا، ورفع سقف الإعانات للأسر الكبيرة. لتحقيق التوازن في الميزانية، قد تلجأ الحكومة أيضًا إلى فرض رسوم إضافية صغيرة، مثل ضريبة لكل ميل يتم قيادته بالسيارات الكهربائية، وتقليل المزايا الضريبية الممنوحة لذوي الدخل المرتفع الذين يساهمون في خطط التقاعد. هذه التدابير، على الرغم من صغر حجمها المفترض، يمكن أن تساهم في توليد إيرادات إضافية كبيرة.

التحديات المستقبلية والآثار المحتملة

إن السياسة الضريبية التي يتبعها الحزب العمالي تثير العديد من التساؤلات حول مدى جدواها واستدامتها على المدى الطويل. الاعتماد المفرط على “الضرائب الخفية” قد يؤدي إلى تقويض النمو الاقتصادي والحوافز الفردية. بالإضافة إلى ذلك، فإن استهداف الثروات قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات وانخفاض الإيرادات الضريبية في المستقبل. من الضروري مراقبة هذه التطورات عن كثب وتقييم آثارها على الاقتصاد والمجتمع.

نحو فهم شامل للاستراتيجية المالية

فهم الاستراتيجية المالية للحكومة يتطلب تحليلًا دقيقًا للتفاصيل والآثار المترتبة عليها. يتعين على الخبراء الاقتصاديين والمحللين السياسيين دراسة هذه التدابير بعناية وتقديم تقييمات موضوعية حول مدى فعاليتها في تحقيق الأهداف المعلنة. كما يجب على الجمهور أن يكون على دراية بهذه التطورات وأن يشارك في الحوار العام حول مستقبل المالية العامة في المملكة المتحدة. هذه المشاركة ضرورية لضمان توازن المصالح وتحقيق التنمية المستدامة.

شاركها.
Exit mobile version