تواجه أسواق العملات المشفرة تحديًا رئيسيًا يعيق دخول المؤسسات الاستثمارية الكبيرة، وهو نقص السيولة الكافية. على الرغم من الحديث المتزايد عن اهتمام المؤسسات بالاستثمار في هذا المجال، إلا أن القدرة الحالية للسوق على استيعاب هذه الاستثمارات الضخمة دون التسبب في تقلبات حادة في الأسعار لا تزال محدودة. هذا النقص في السيولة يمثل عائقًا بنيويًا أمام النمو المستدام للأسواق.
تحديات السيولة في أسواق العملات المشفرة
أشار جيسون أتكينز، الرئيس التجاري لشركة Auros المتخصصة في صناعة السوق للعملات المشفرة، إلى أن المشكلة الأكبر التي تواجه الصناعة ليست التقلبات، بل نقص السيولة. وأوضح أتكينز، قبيل مؤتمر Consensus Hong Kong، أن المؤسسات تحتاج إلى قنوات واضحة للدخول إلى السوق، وأن مجرد وجود الرغبة في الاستثمار لا يكفي.
السؤال المطروح هو ما إذا كانت الأسواق قادرة على تحمل حجم الإقبال المؤسسي. فالدخول بكميات كبيرة يتطلب وجود سيولة كافية لاستيعاب هذه العمليات دون التأثير بشكل كبير على الأسعار. هذا الأمر يثير قلق المستثمرين المؤسسيين الذين يركزون على الحفاظ على رأس المال.
أسباب نقص السيولة
وفقًا لأتكينز، فإن نقص السيولة لا يعود إلى تراجع الاهتمام بالعملات المشفرة، بل إلى عمليات التصفية الكبيرة التي شهدتها الأسواق، مثل انهيار أكتوبر الماضي. هذه العمليات أدت إلى خروج المتداولين والرافعة المالية من النظام بشكل أسرع من عودتهم، مما أدى إلى تقليل عمق السوق.
مقدمو السيولة يستجيبون للطلب وليسوا منشئيًا له. بالتالي، فإن انخفاض حجم التداول يؤدي بشكل طبيعي إلى تقليل المخاطر من قبل صانعي السوق، مما يزيد من التقلبات ويؤدي إلى المزيد من عمليات سحب السيولة. هذه حلقة مفرغة تعزز هشاشة الأسواق.
المؤسسات، بحكم طبيعتها، غير قادرة على التدخل كعوامل استقرار في ظل هذه الظروف. فهي تحتاج إلى وجود آلية طبيعية لامتصاص الصدمات عند حدوث ضغوط في السوق. بدون هذه الآلية، تظل الأسواق عرضة للتقلبات الحادة.
التقلبات ليست العائق الرئيسي
أكد أتكينز أن التقلبات بحد ذاتها ليست ما يردع المستثمرين المؤسسيين الكبار. المشكلة الحقيقية تكمن في تضافر التقلبات مع نقص السيولة، مما يجعل من الصعب تحوط المراكز والخروج منها بأمان. هذا الأمر يمثل تحديًا خاصًا للمؤسسات التي تتعامل مع مبالغ كبيرة من الأموال.
المستثمرون المؤسسيون يعملون بموجب تفويضات صارمة للحفاظ على رأس المال، مما يترك لهم مجالًا ضيقًا لتحمل مخاطر السيولة. بالنسبة لهم، فإن الهدف ليس تحقيق أقصى عائد ممكن، بل تحقيق عائد جيد مع الحفاظ على رأس المال.
بالإضافة إلى ذلك، يرى أتكينز أن الحديث عن انتقال رؤوس الأموال من العملات المشفرة إلى الذكاء الاصطناعي ليس دقيقًا. فالذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى من الاهتمام الاستثماري، بينما العملات المشفرة وصلت إلى مرحلة من النضج والتجميع، وليست هناك أدلة قاطعة على خروج رؤوس الأموال منها.
مرحلة التجميع والابتكار المحدود
في المقابل، يشير أتكينز إلى أن العملات المشفرة قد بدأت تدخل مرحلة التجميع، وأن وتيرة الابتكار المالي في هذا المجال قد تباطأت. العديد من الأدوات الأساسية في عالم العملات المشفرة، مثل Uniswap ونماذج AMM، لم تعد تمثل شيئًا جديدًا.
إن تباطؤ السيولة في سوق العملات المشفرة ليس بسبب سحب الأموال، بل بسبب نقص الهياكل الجديدة التي تجذب المشاركة المستمرة. يصف أتكينز هذا الوضع بأنه “لحظة LLM” لسوق العملات المشفرة، في إشارة إلى أن السوق يحتاج إلى ابتكارات جديدة لتحفيز النمو.
في نهاية المطاف، يرى أتكينز أن مشكلة السيولة هي مشكلة هيكلية وليست دورية. حتى تتمكن الأسواق من استيعاب حجم الاستثمارات، وتحوط المخاطر، والخروج منها بسهولة، ستبقى رؤوس الأموال متحفظة. الاهتمام قد يكون موجودًا، لكن السيولة، وليست الروايات التسويقية، هي التي ستحدد متى يمكن لهذا الاهتمام أن يتحول إلى استثمار فعلي.
من المتوقع أن يظل التركيز على تحسين السيولة في أسواق العملات المشفرة خلال الأشهر القادمة. سيكون من المهم مراقبة تطورات البنية التحتية للسوق، وظهور أدوات جديدة لإدارة المخاطر، واستجابة المؤسسات الاستثمارية لهذه التطورات. يبقى مستقبل هذه الأسواق معلقًا على قدرتها على جذب السيولة المستدامة.

