كشفت مؤسسة الإيثيريوم مؤخرًا عن معاييرها الجديدة لدعم مشاريع التمويل اللامركزي (DeFi)، مما يضع حدًا للغموض الذي أحاط بتعريف “اللامركزية” في القطاع. يهدف هذا الإعلان إلى توجيه الدعم التقني والمالي والسمعة نحو المشاريع التي تتوافق مع رؤية المؤسسة للتمويل اللامركزي الحقيقي .

في تصريح علني، حددت مؤسسة الإيثيريوم بوضوح أنواع مشاريع التمويل اللامركزي التي ستتلقى دعمها المباشر، مستهدفة بذلك تعزيز الشفافية والمساءلة في منظومة DeFi. هذا التحديد يعتبر خطوة حاسمة لتجاوز الالتباس السائد حول ما يمكن اعتباره “لامركزيًا” بالفعل، وهو ما كان يضلل المستثمرين والمطورين على حد سواء.

معايير مؤسسة الإيثيريوم للتمويل اللامركزي: اختبار “الانسحاب” وأمن الأوراكل

يتجاوز بيان مؤسسة الإيثيريوم كونه مجرد خريطة طريق تقنية، بل هو إعلان عن قيم جوهرية لها تداعيات حقيقية على مستقبل مشاريع التمويل اللامركزي ضمن شبكة الإيثيريوم. تصف المؤسسة بوضوح نوعية التمويل اللامركزي الذي ترغب في رؤيته ينمو، وتلك التي تفضل تركها تسير في مسارها الخاص.

المعيار الأكثر صرامة الذي قدمته المؤسسة ليس تقنيًا في جوهره، بل مفاهيميًا. يكمن هذا المعيار في “اختبار الانسحاب” (walkaway test)، والذي يعني أن البروتوكول يجب أن يظل قادرًا على العمل بنفس الكفاءة حتى لو اختفى فريق التطوير الأساسي، أو فقد السيطرة على مفاتيحه، أو انقلب ضد مستخدميه. يعتبر هذا الاختبار جوهريًا لضمان استمرارية الخدمة اللامركزية، ومن المتوقع أن تفشل العديد من المشاريع الحالية في اجتيازه دون تعديلات كبيرة.

عندما يتوقف الأمان عن كونه مجرد حجة تسويقية

أحد أكثر الأجزاء كشفًا في وثيقة المؤسسة يتعلق بـ أمن الأوراكل في DeFi. تعمل الأوراكل كأنظمة تزود العقود الذكية بالبيانات من العالم الخارجي، مثل أسعار الأصول أو أسعار الفائدة أو نتائج الأحداث. بدون أوراكل موثوقة، تتوقف غالبية تطبيقات التمويل اللامركزي عن العمل. المشكلة التي تشير إليها المؤسسة هي أن القطاع تجنب لسنوات طويلة معالجة نقاط الضعف الهيكلية المتأصلة في هذه الأنظمة.

لم تخفف المؤسسة من وطأة لغتها، بل وصفت الحالة الراهنة لأمن الأوراكل بأنها “درج مليء بالمشاكل التي لم تُحل ولم يرغب أحد في فتحه”. هذا الوصف، القادم من المنظمة التي تشرف على تطوير البروتوكول الأساسي، يحمل ثقلاً كبيرًا.

يثير الخصوصية في DeFi سؤالاً مختلفًا. حاليًا، شبه جميع الأنشطة المالية على السلسلة (onchain) علنية بشكل افتراضي. يمكن لأي شخص لديه إمكانية الوصول إلى مستكشف الكتل (block explorer) رؤية المحفظة التي تقترض الأموال، وكمية الضمان التي تودعها، ومتى يقترب المركز من حد التصفية. بناء خصوصية حقيقية فوق آليات الديون المضمونة يتطلب تشفيرًا متقدمًا، لكن المؤسسة تعتبر هذا الجهد جديرًا بالاهتمام.

المجال الثالث قيد الفحص هو ترخيص المصادر المفتوحة في بروتوكولات DeFi

تعمل العديد من بروتوكولات التمويل اللامركزي البارزة تحت تراخيص تقيد النسخ أو التدقيق أو التعديل. بالنسبة للمؤسسة، يتعارض ذلك مع أسس القطاع. البروتوكول الذي لا يمكن تدقيقه أو نسخه (forked) بحرية دون عواقب قانونية، يُدخل تبعيات تعيد إنتاج نفس السيطرة المركزية التي سعت DeFi إلى القضاء عليها، ولكن في شكل مختلف.

ما تقدمه مؤسسة الإيثيريوم ليس تنظيمًا أو حظرًا. تظل الإيثيريوم بروتوكولاً تسمح بنشر أي شيء فوقها، وأي مطور يمكنه نشر ما يريد. لكن المؤسسة تختار متعاونيها، وهذه الخيارات تأتي الآن بمعايير مكتوبة ومعلنة.

تُظهر المؤسسة انفتاحها للعمل مع أي فريق يبني بروتوكولات مالية غير مقيدة، مفتوحة المصدر، تحافظ على الخصوصية، وتركز على الأمان. وفي المقابل، تُظهر لا مبالاة تجاه المشاريع التي تغلف السيطرة المركزية بجماليات لامركزية.

في قطاع غالبًا ما تتجاوز فيه السرديات الجوهر، فإن نشر هذه المعايير علنًا يغير بالفعل درجة حرارة المحادثة. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى مزيد من التدقيق في بنية بروتوكولات DeFi وممارساتها، مما يدفع القطاع نحو مستويات أعلى من الشفافية والأمان واللامركزية الحقيقية.

شاركها.
Exit mobile version