هل عاد أسلوب “تاكو” (TACO) إلى الواجهة؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المستثمرون هذا الأسبوع، مع تراجع الأسواق بسبب التصريحات النارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مستقبل جرينلاند، والتي قال إن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة عليها لأسباب تتعلق بالأمن القومي. يشير مصطلح “تاكو” إلى فكرة أن التكتيكات السياسية العدوانية للرئيس ترامب هي في الغالب مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي يهدف إلى إجبار الأطراف الأخرى على التفاوض.

أبلغت الإدارة الأمريكية المستثمرين في السابق بعدم الاعتماد على تراجع ترامب عن مواقفه، لكن محاولته الأخيرة للضغط على الدنمارك أعادت إلى الأذهان أسلوب الرئيس الأمريكي الشهير في التفاوض. وقد هدد ترامب ثماني دول أوروبية بفرض رسوم جمركية بنسبة 10٪ بدءًا من شهر فبراير، ترتفع إلى 25٪ في شهر يونيو، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن جرينلاند.

ما هو أسلوب “تاكو” (TACO) في سياسة ترامب؟

يرى بعض المحللين أن وضع جرينلاند الحالي يمثل فرصة للمستثمرين للاستعداد لما يُعرف بتداول “تاكو” (TACO trade)، وهو الرهان على أن تهديدات ترامب مجرد مناورات تفاوضية. كتب محللون في بنك جي بي مورغان في مذكرة يوم الثلاثاء: “نعتقد أنه يجب علينا قراءة هذا من منظور ‘فن الصفقة’. يخلق ترامب ضوضاء ويطرح موقفًا أقصى يهدف إلى إثارة المفاوضات وخلق نفوذ وإلحاح.”

وأضاف فريق الاستخبارات السوقية في البنك: “السوق يريد أن يرى ما إذا كان اليوم هو يوم الثلاثاء ‘تاكو’.” من جهته، قال الاقتصادي البارز ديفيد روزنبرغ، رئيس شركة Rosenberg Research، إن قدرة المستثمرين على تحمل حالة عدم اليقين هذه مسألة مهمة، لكن الإيمان بأن الرئيس ترامب يخدع بشأن جرينلاند وأنه يسعى فقط إلى تحقيق “صفقة” أثبت صعوبة كسرها مرارًا وتكرارًا.

سيناريوهات محتملة لتطور الأزمة

وسط الحديث عن عودة تداول “تاكو”، يرى المحللون عددًا من النتائج المحتملة لتصريحات ترامب القاسية بشأن جرينلاند. فيما يلي ثلاثة طرق يرى المحللون أن الوضع قد يتطور بها:

السيناريو الأول: التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والدنمارك

يعتبر التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والدنمارك، والذي قد يسمح بتوسيع الوجود الأمريكي في جرينلاند – مثل الحصول على حق الوصول إلى الموارد الطبيعية في الإقليم – هو النتيجة الأكثر ترجيحًا، وفقًا لجي بي مورغان، حيث قدرت الاحتمالية لهذا السيناريو بنسبة 55٪. وأشار البنك إلى أن ترامب يتبنى دائمًا موقفًا أقصى بهدف إثارة المفاوضات وخلق نفوذ، وأن توقيت التهديدات بالرسوم الجمركية يبدو “ليس مصادفة”، نظرًا لانعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع.

وأضاف المحللون أن بيع جرينلاند يبدو “أقل ترجيحًا” بسبب الحاجة إلى موافقة الدنمارك، وأن استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية للاستيلاء على جرينلاند يبدو “غير مرجح للغاية”، لأنه سيثير رد فعل عنيفًا من المشرعين والناخبين الجمهوريين. كما أن مهاجمة الولايات المتحدة لدولة عضو أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد تفتح الباب أمام مزيد من العدوان من خصوم الحلف، وفقًا لجي بي مورغان.

السيناريو الثاني: تراجع ترامب عن الرسوم الجمركية

وفقًا لمات جيرتكن، كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين والسياسيين الأمريكيين في BCA Research، هناك احتمال بنسبة 40٪ ألا يتم تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة التي هدد بها ترامب على الإطلاق، ربما بسبب “تراجعه الخاص”. وأضاف جيرتكن أنه يعتقد أن هناك فرصة بنسبة 70٪ بأن الوضع في جرينلاند سيتم حله “بشكل غير عسكري”، وأن هناك فرصة بنسبة 30٪ بأن يتضمن هذا الحل حربًا تجارية قصيرة الأجل مع أوروبا.

وكتب في مذكرة موجهة إلى العملاء يوم الاثنين: “من المرجح أن تنخفض الأسهم العالمية، بينما من المرجح أن تنخفض سندات الخزانة الأمريكية والدولار، لكن الإدارة ستغير مسارها بعد ذلك، كما فعلت بعد ‘يوم التحرير'”. وأضاف كريستوفر جرانفيل، مدير عام في TS Lombard، أنه يعتقد أن النتيجة الأكثر ترجيحًا هي “هدنة” بين الولايات المتحدة وأوروبا، ومن المرجح أن تعلق الولايات المتحدة الرسوم الجمركية بينما تستمر المفاوضات بشأن جرينلاند.

يذكر أن هذا ما حدث عندما فرض ترامب رسومًا جمركية على المكسيك وكندا العام الماضي. وأشار جرانفيل أيضًا إلى الضغوط السياسية من الانتخابات النصفية القادمة، والتي قد تحفز ترامب على خفض الرسوم الجمركية. وقال: “قد يصف بعض المعلقين أي هدنة من هذا القبيل بأنها ‘تاكو’، على الرغم من أنه ليس سيناريو ‘تاكو’ حقيقيًا، لأن الولايات المتحدة لم تتراجع تمامًا عن موقفها بشأن جرينلاند.”

السيناريو الثالث: حكم المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية

من المتوقع أيضًا أن يلعب الحكم المرتقب من المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب دورًا في هذا الصدد. قدرت BCA Research احتمال أن تقضي المحكمة العليا بإبطال الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 50٪، مقارنة بنسبة 30٪ كانت الشركة قد توقعتها في وقت سابق.

وقال جيرتكن: “عادةً ما تترك المحكمة الرئيس حرًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون الدولية، ولكن الآن يهدد الرئيس بإقحام المحكمة في سلوك غير قانوني يهدد مصداقية المحكمة والتوازن الدستوري للسلطات”. وأضاف: “لذلك، لدينا ثقة أقل في أن المحكمة ستدافع عن موقف الرئيس.” وأشار فريق الاستخبارات السوقية في جي بي مورغان إلى أن التهديدات الأخيرة بالرسوم الجمركية “مليئة بالتحديات”، مشيرًا إلى أن تطبيق الرسوم الجمركية على ست دول من الاتحاد الأوروبي بمعدل مختلف عن بقية الأعضاء أمر “غير عملي” بسبب حرية حركة البضائع داخل الاتحاد الأوروبي.

في الختام، يبقى مستقبل المفاوضات حول جرينلاند غير مؤكد. من المتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة المزيد من المحادثات بين الولايات المتحدة والدنمارك، مع احتمال التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية الأسبوع. ومع ذلك، فإن احتمال تراجع ترامب عن الرسوم الجمركية أو تدخل المحكمة العليا لا يزال قائمًا، مما يجعل الوضع معقدًا ويتطلب مراقبة دقيقة.

شاركها.
Exit mobile version