يشير تقرير جديد صادر عن شركة الأبحاث HFI Research إلى أن الأسواق العالمية قد تكون على أعتاب فصل جديد من أزمة النفط، مما قد يدفع أسعار النفط الخام إلى مستويات أعلى بكثير. يأتي هذا التوقع في الوقت الذي يدخل فيه الصراع الإيراني شهره الثاني دون أي مؤشرات على قرب التوصل إلى اتفاق سلام. يعكس هذا التحليل المخاوف المتزايدة بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
في الأيام الأخيرة، شهدت أسعار النفط ارتفاعات جديدة، حيث تجاوز خام برنت، المعيار الدولي، حاجز 126 دولارًا للبرميل في وقت مبكر من يوم الخميس، بينما وصل خام غرب تكساس الوسيط إلى 110 دولارات للبرميل. ورغم تراجع الأسعار لاحقًا، تتوقع HFI Research أن تعاود الارتفاع خلال أسابيع قليلة، مع احتمالية تجاوز خام برنت لمستوى 150 دولارًا للبرميل، وهو ما يعتبر أعلى من الذروة التي بلغها خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.
توقعات بتصاعد أزمة النفط العالمية
وفقًا لـ HFI Research، فإن الوضع الحالي يختلف بشكل كبير عن أزمة 2008. فبينما شهدت الأزمة المالية العالمية انخفاضًا في الطلب العالمي على النفط بنحو 3%، يواجه العالم اليوم نقصًا في الإمدادات يقدر بحوالي 13 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل 10% من الطلب العالمي، حسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية. ويعتقد ويلسون وانغ، مؤسس HFI، أن الأسعار سترتفع بشكل كبير جدًا، نظرًا لأن الفجوة الحالية أكبر بثلاث مرات مما كانت عليه في الأزمة المالية.
كانت HFI Research قد أعلنت سابقًا أن سوق النفط قد وصل إلى “نقطة اللاعودة”، حيث تؤدي النقص المستمر في الإمدادات إلى ارتفاع تدريجي ومستمر في أسعار النفط الخام. تفسر الشركة هذه الديناميكية من خلال سلسلة من الأحداث المتوقعة خلال الأشهر القليلة القادمة.
تأثير النقص على أوروبا وآسيا واستمرار الصادرات الأمريكية
من المتوقع أن تستمر أوروبا وآسيا في الشعور بوطأة نقص الإمدادات. قد تشهد هاتان المنطقتان المزيد من إلغاء الرحلات الجوية بسبب نفاذ وقود الطائرات، كما يُرجح أن تقلل المصافي من إنتاجها بسبب شح المواد الخام. في المقابل، عززت الولايات المتحدة دورها كمورد للطاقة، حيث سعت دول أخرى لإيجاد مصادر بديلة. ومن المتوقع أن تستمر الصادرات البترولية الأمريكية عند مستويات قريبة من الذروة لعدة أسابيع قادمة، مما يعني أن احتياطيات النفط الاستراتيجية الأمريكية (SPR) يتم تصديرها فعليًا إلى بقية العالم.
استنزاف المخزونات الأمريكية والنظر إلى الصين
تشير HFI Research إلى أن الولايات المتحدة على وشك استنفاد مخزونها الاحتياطي من المنتجات النفطية في غضون أسبوعين، ومخزونها النفطي الاحتياطي في غضون ثمانية أسابيع، وذلك بالنظر إلى الوتيرة الحالية للمبيعات. قد تبدأ الصادرات الأمريكية في الانخفاض خلال أسابيع قليلة. كما قد يلجأ المستهلكون الأمريكيون إلى تخزين الوقود مع انخفاض مخزونات البنزين، ما قد يحدث خلال ثلاثة إلى أربعة أسابيع. وقد تفرض الولايات المتحدة حظرًا رسميًا على صادرات المنتجات النفطية للحفاظ على إمداداتها.
تعد الصين، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي استراتيجي في العالم، عاملًا غير مؤكد. تمتلك بكين احتياطيات تكفي لعدة أشهر، ولكن من المرجح أن تستمر في تخزين النفط خوفًا من أن يكون إغلاق مضيق هرمز “خطرًا وجوديًا” على اقتصادها المعتمد بشكل كبير على النفط. وتعتبر الحواجز المتبقية أمام ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد هي المخزونات الموجودة في الولايات المتحدة والصين.
بداية موجة الشراء بدافع الذعر وارتفاع هوامش الربح
تتوقع HFI Research أن تبدأ الدول الآسيوية الأكثر ثراءً في الشراء بدافع الذعر، مما سيخلق “تأثيرًا متتاليًا” في أسواق النفط. بمجرد انخفاض صادرات النفط الأمريكية، سيزداد الضغط الشرائي في مناطق مثل آسيا. كما أن ارتفاع أسعار النفط الخام سيزيد من هوامش الربح للمصافي، مما سيرفع الطلب على النفط. وسيتجلى هذا التأثير المتتالي في ارتفاع هوامش التكرير وأسعار النفط الخام في وقت واحد حتى ينهار أحدهما.
النفط الخام يتجه نحو مستويات قياسية
من الصعب تحديد السعر النهائي للنفط حتى تتوقف الولايات المتحدة عن البيع في السوق العالمية. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن الأسعار قد تتجاوز ذروة عام 2008 لتصل إلى 150 دولارًا للبرميل. ومن شأن وصول خام برنت إلى مستويات قريبة من أزمة 2008 أن يعني ارتفاعًا بنسبة 43% عن المستويات الحالية. وحسب HFI، فإن الأسعار “ستنطلق بشكل كبير” بمجرد استنفاذ المخزونات الأمريكية، مما يجعل الوضع “أسوأ بكثير من عام 2008”.
يبقى الوضع غير مؤكد، وسيعتمد مسار أسعار النفط بشكل كبير على التطورات الجيوسياسية في منطقة الخليج، وقدرة الدول الكبرى على إدارة مخزونها الاستراتيجي، ومدى استجابة المنتجين الآخرين لأي نقص في الإمدادات. ويجب مراقبة مستوى الصادرات الأمريكية والتوترات في مضيق هرمز عن كثب في الأسابيع القادمة.

