شهدت أسعار الذهب والفضة ارتفاعًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، مدفوعةً بشكل كبير بالإجراءات والقرارات السياسية والاقتصادية التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد أدت هذه التطورات إلى زيادة إقبال المستثمرين على المعادن الثمينة كملاذ آمن، بالإضافة إلى المعادن الصناعية مثل النحاس والقصدير. هذا الارتفاع يعكس مخاوف متزايدة بشأن انخفاض قيمة الدولار الأمريكي والعملات الأخرى.
تأتي هذه الزيادة في الأسعار بعد عام شهد فيه الذهب أفضل أداء عقدي له منذ سنوات، حيث ارتفع بنسبة 5٪ حتى الآن هذا العام. أما الفضة، فقد سجلت أفضل بداية لها منذ عام 1979، مع ارتفاع يقدر بـ 25٪ منذ بداية العام. في المقابل، انخفض مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 1٪ عن ذروته في نوفمبر الماضي.
ارتفاع أسعار الذهب والفضة: تأثير سياسات ترامب
يمكن تتبع هذا الاتجاه إلى سلسلة من الأحداث الأخيرة التي أثارت قلق المستثمرين. في 3 يناير، نفذت الولايات المتحدة عملية مداهمة في فنزويلا وألقت القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الذهب بأكثر من 2٪ والفضة بنحو 5٪ في اليوم التالي.
لاحقًا، في 9 يناير، أعلن ترامب عن نيته وضع حد أقصى لسعر الفائدة على بطاقات الائتمان بنسبة 10٪ لمدة عام. وقد أثارت هذه الخطوة انتقادات من خبراء الصناعة المالية الذين حذروا من عواقبها المحتملة على المستهلكين. ارتفع سعر الذهب بنسبة 1٪ وسعر الفضة بنسبة 4٪ ردًا على هذا الإعلان.
وفي 11 يناير، فتحت وزارة العدل الأمريكية تحقيقًا جنائيًا في تصرفات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول. على الرغم من أن ترامب نفى علمه بالتحقيق، إلا أنه لطالما مارس ضغوطًا على باول لخفض أسعار الفائدة. شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا يقارب 2٪ من نهاية الأسبوع السابق وحتى الاثنين التالي، بينما ارتفعت الفضة بنسبة 2٪ في بداية الأسبوع.
كما أعلن ترامب في 12 و 13 يناير عن عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 25٪ على أي دولة “تمارس أعمالًا” مع إيران. وفي اليوم التالي، هدد باتخاذ “إجراءات قوية جدًا” إذا قتلت إيران المتظاهرين. ومنذ 12 يناير، ارتفع سعر الذهب بنسبة 1٪، بينما قفز سعر الفضة بنسبة 10٪.
“البيع على أمريكا” وتأثيره على الأسواق
يرى خوسيه توريس، كبير الاقتصاديين في Interactive Brokers، أن هذه التطورات تعكس ما يسمى بـ “البيع على أمريكا”، حيث يتجه المستثمرون إلى بيع الأصول الأمريكية والتحول إلى أصول أخرى تعتبر أكثر أمانًا. ويشير إلى أن هذه الظاهرة مماثلة لما حدث في النصف الأول من العام الماضي، عندما أدت التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب إلى حالة من الذعر في أسواق الأسهم والسندات الأمريكية، واندفاع نحو الأصول التي تحتفظ بقيمتها مثل الذهب.
يبدو أن المستثمرين يشعرون بالقلق إزاء التوترات الجيوسياسية والمخاوف من أن الضغط الذي يمارسه الرئيس ترامب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة قد يؤدي إلى تفاقم التضخم في المستقبل.
ويؤكد محللو Deutsche Bank أن هذه العوامل، بالإضافة إلى المخاوف بشأن انخفاض قيمة العملات والتضخم المحتمل، تدعم الارتفاع الأخير في أسعار الذهب والفضة.
وفي مذكرة موجهة إلى العملاء، سلطت BCA Research الضوء على الارتفاع الأخير في أسعار السلع وأشارت إلى أن بعض جوانب “صفقات انخفاض قيمة الدولار” كانت “في أوجها” هذا الأسبوع.
ويرى كارل شاموتا، كبير استراتيجيي السوق في Corpay Cross-Border Solutions، أن أسعار الذهب والفضة قد تستمر في الارتفاع مع استمرار المستثمرين في “البيع على أمريكا” والتحول إلى بدائل للدولار.
بالإضافة إلى هذه العوامل، يستفيد الذهب من الطلب القوي من البنوك المركزية في السنوات الأخيرة، حيث تسعى هذه البنوك إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار الأمريكي. كما أن الفضة تكتسب زخمًا في “صفقة الذكاء الاصطناعي” نظرًا لاستخدامها في مراكز البيانات. بالإضافة إلى ذلك، هناك ضغوط على العرض وتداول المضاربة في الصين يدفعان أسعارها إلى الأعلى.
ويخلص فريق الاستخبارات السوقية في JPMorgan إلى أن “البيع على أمريكا” قد يكون هو الموضوع المهيمن في الأسواق حاليًا.
من المتوقع أن يستمر التركيز على السياسات الاقتصادية الأمريكية والتطورات الجيوسياسية في التأثير على أسعار المعادن الثمينة في الأسابيع القادمة. سيراقب المستثمرون عن كثب أي تصريحات أو إجراءات جديدة من الرئيس ترامب أو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى التطورات في إيران والوضع السياسي في فنزويلا. يبقى التضخم والتحركات المحتملة لأسعار الفائدة من العوامل الرئيسية التي ستحدد مسار أسعار الذهب والفضة.

