الصين توجه البنوك لتقليل حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية: ما هي التداعيات؟
أصدرت الصين تعليمات للبنوك المملوكة للدولة لتقليل حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما أثار نقاشات متجددة حول ما إذا كانت هذه الخطوة تشكل جزءًا من استراتيجية “بيع أمريكا” الأوسع. وعلى الرغم من أن المنظمين الصينيين أرجعوا هذه الخطوة إلى مخاطر التقلب والتركيز في الديون الأمريكية، ولم يصفوها صراحةً بانتقاد للنظام المالي الذي تقوده الدولار، إلا أن محللي السوق يرونها تحديثًا للسرد الجيوسياسي الذي يهيمن على الأسواق في العام الماضي. تشير تقارير إلى أن البنوك الصينية تمتلك ما قيمته 298 مليار دولار من السندات المقومة بالدولار الأمريكي، وإن لم يكن واضحًا مدى احتوائها على سندات الخزانة الأمريكية تحديدًا مقابل ديون الشركات الأمريكية.
في حين أن التأثير على عوائد الخزانة كان هامشيًا حتى الآن، يشعر الاقتصاديون وخبراء السوق بالقلق بشأن تداعيات هذه الخطوة في المستقبل. يرى البعض أن هذا التوجه قد يؤثر على استقرار الديون الأمريكية، بينما يقلل آخرون من حجم التأثير المحتمل.
مخاوف اقتصادية من “بيع أمريكا”
يعرب ديزموند لاكمان، زميل كبير في معهد المشاريع الأمريكية (American Enterprise Institute)، عن قلقه العميق بشأن ما قد تعنيه قرارات الصين بالنسبة للولايات المتحدة. وأشار إلى أن دولًا أخرى بدأت بالفعل في التحول بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار. وأوضح لاكمان لـ Business Insider أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى استمرار المشترين الأجانب لسندات الخزانة لتوفير التمويل اللازم، وأن عدم رغبة الأجانب في شراء سنداتهم قد يؤدي إلى أزمة في سوق السندات والدولار.
يشير لاكمان إلى أن المستثمرين الأجانب يمتلكون حوالي 30% من السندات الأمريكية القائمة، وأن أي تراجع كبير في شرائهم قد يضع الولايات المتحدة أمام تحديات مالية كبيرة. ويضيف أن تجفيف منابع الشراء الأجنبي لسندات الحكومة الأمريكية قد يمهد الطريق لأزمة في سوق السندات وقيمة الدولار.
وجهات نظر مختلفة حول التأثير
على النقيض من ذلك، لا يولي براد سيتسر، من مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، اهتمامًا كبيرًا للتداعيات السوقية لخطوة الصين. يرى سيتسر أن القرار يعكس حاجة الصين لإجراء تغييرات لاستقرار اقتصادها الخاص وحمايته من التقلبات الأمريكية، خاصة بعد الصعوبات التي واجهتها في السنوات الأخيرة. نصح سيتسر المستثمرين العالميين بالتركيز بشكل أكبر على التدفقات المرتبطة بإدارة العملة الصينية، مشيرًا إلى أنه حتى مع التحذيرات الأخيرة، ستجد المؤسسات الصينية صعوبة في إيجاد بدائل جيدة لسوق الخزانة إذا كانت ملزمة بشراء 50 مليار دولار أو أكثر شهريًا للتحكم في وتيرة ارتفاع اليوان.
في السياق نفسه، يتفق جاي كيديا، خبير اقتصادي في معهد كاتو (Cato Institute)، مع سيتسر في أن المستثمرين لا ينبغي أن يعتبروا قرار الصين تطورًا جيوسياسيًا. صرح كيديا بأن الصين قد تستمر في بيع سنداتها الأمريكية، ولكنه يتوقع ألا يكون لذلك تأثير سلبي كبير على الولايات المتحدة. وذكر أن التقييم العام لحجم حيازات الصين من الديون الحكومية الأمريكية مبالغ فيه، وأن قيمتها ليست كافية لإحداث انهيار في الأسواق الأمريكية.
أقر كيديا بأن البيع الضخم للسندات الحكومية سيؤثر على السوق، لكنه لا يرى أن هذا السيناريو مرجح الحدوث. وخلص إلى أن المخاوف المبالغ فيها حول قدرة الصين على إحداث أزمة في سوق الديون الأمريكية لا تستند إلى أساس قوي.
الدوافع الجيوسياسية وإدارة المخاطر
من جانبها، ترى لي تشيان رين، مديرة الابتكار في شركة WisdomTree لإدارة الأصول، أن الخطوة ذات طابع جيوسياسي بامتياز، مع كون العوامل المالية ثانوية. وأوضحت رين أن الصين تستخدم حيازاتها من الخزانة الأمريكية كجزء من إدارتها للعملة، مما يجعل التصفية السريعة غير مرجحة. ومع انخفاض المخاطر على المدى القصير، فإن الاستعدادات للصراعات الإقليمية المحتملة التي تشمل اليابان أو مضيق تايوان تعزز الحوافز لدى الطرفين لتقليل الاعتماد المالي. وتضيف رين أن الصين لن تكون على الأرجح مشترية صافية لديون الحكومة الأمريكية حتى تصل الدولتان إلى توازن.
يعتقد يان وانغ، كبير استراتيجيي الصين في شركة Alpine Macro للأبحاث السوقية، أن التوجيه التنظيمي يتعلق في الغالب بإدارة المخاطر. وفي الوقت نفسه، يرى أن التوترات الجيوسياسية تلعب دورًا في قرار الصين. وأشار وانغ إلى أن الصين تقلل حيازاتها من الأصول الأمريكية، وخاصة سندات الخزانة، في السنوات الأخيرة، وأن الوتيرة تسارعت بشكل حاد منذ غزو روسيا لأوكرانيا. وأوضح أن الهدف الاستراتيجي الأساسي لبكين هو تقليل ضعفها أمام العقوبات الأمريكية المحتملة في ظل ظروف التوتر الجيوسياسي الشديد. يتوقع وانغ، مثل كيديا، أن تستمر الصين في بيع حيازاتها من الديون الحكومية الأمريكية، مؤكدًا أن سندات الخزانة الأمريكية تشكل حوالي 20% من احتياطيات الصين، وهو ما قد يكون أعلى من مستوى الراحة للحكومة الصينية.
توقعات السوق وتأثيرها على عوائد الخزانة
كتب جو مازولا، رئيس استراتيجيات التداول والمشتقات في شركة تشارلز شواب (Charles Schwab)، أن هذا الخبر يضيف إلى المخاوف المتجددة بشأن “بيع أمريكا” بعد أن أحدث صندوق معاشات أوروبي هزة في الأسواق مؤخرًا بوقفه لعمليات الشراء. وفي حال اتبعت الصين هذا النهج، حتى مع جذب الاقتصاد الياباني المتنامي للأصول، فقد يزداد الضغط على سندات الخزانة، مما يرفع العوائد ويبقي تكاليف الاقتراض مرتفعة. نصح مازولا المستثمرين بتتبع الطلب من خلال مزادات الخزانة والبيانات الاقتصادية الكلية الأمريكية، والتي قد تؤثر على توقعات سياسة الاحتياطي الفيدرالي.
الرسالة السياسية والتطلع للمستقبل
كتب جيريمي مارك وجوش ليبسكي، المحللان في المجلس الأطلسي (Atlantic Council)، أن نبأ التوجيه يثير تساؤلات حول توقيته ونواياه، خاصة وأن التوجيه كان قيد التنفيذ لأسابيع قبل الإعلان عنه. وأشارا إلى أن هذا الخبر جاء بعد أيام من نشر دورية “تشيوشي” للحزب الشيوعي الصيني خطابًا لرئيس البلاد شي جين بينغ عام 2024، دعا فيه إلى تدويل العملة الصينية. واعتبر المحللان أن تزامن التطورين خلال أسبوع واحد كان “مثيرًا للاهتمام بشكل يصعب تجاهله”، خاصة في ظل ديناميكيات السوق والسياسة المستمرة في واشنطن ونيويورك.
أشار المحللان أيضًا إلى أن تسريب الخبر ربما كان مقصودًا كرسالة لواشنطن، وتحديدًا لوزير الخزانة سكوت بسينت، بعد أن أشار علنًا إلى شائعات حول أصول رقمية صينية مدعومة بالذهب وربط تقلبات أسعار الذهب الأخيرة بالصين. وأضافا: “لكن بغض النظر عن المستقر في المدى القصير، يبدو المسار طويل الأجل أوضح. طموحات الصين لتقليل الاعتماد على الدولار ستستمر، وستواصل الحكومة الصينية إيجاد طرق لجعل الحياة أكثر صعوبة قليلاً للولايات المتحدة – وللدولار – كلما أمكن ذلك.”
في الختام، تظل تداعيات قرار الصين لتقليل حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية غير مؤكدة على المدى الطويل. سيتعين على المستثمرين والمحللين مراقبة قرارات الصين المستقبلية، بالإضافة إلى استجابة السوق الأمريكية والسياسات الاقتصادية للولايات المتحدة، لتكوين صورة أوضح حول المسار المستقبلي لهذه الديناميكية الاقتصادية الهامة.

