يتوقع المحلل الاقتصادي المخضرم محمد العريان أن يشهد الحماس الاستثماري المدفوع بالذكاء الاصطناعي (AI) تباطؤًا ملحوظًا هذا العام. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي ساهم في تحقيق مكاسب قياسية في الأسواق خلال عام 2025، إلا أن العريان يرى أن هذا الارتفاع من المرجح أن يواجه صعوبات بسبب التغيرات الهيكلية المقلقة في الأسواق والاقتصاد العالمي. ويشير إلى ضرورة تحول المستثمرين نحو استراتيجيات أكثر تركيزًا على الأساسيات وتقييم الشركات القادرة على تطبيق الذكاء الاصطناعي بشكل عملي.
العريان، الذي شغل سابقًا منصب الرئيس التنفيذي المشترك للاستثمار في شركة PIMCO، أوضح أن قوة الذكاء الاصطناعي في دفع الأسواق قد لا تكون كافية لإخفاء حالة عدم اليقين المتزايدة التي تشمل تحولات هيكلية عميقة. ويؤكد أن اتباع استراتيجية تعتمد على ركوب موجة هيكلية واسعة لم يعد بالسهولة والربحية التي كانت عليه في السابق.
تحديات تواجه استثمارات الذكاء الاصطناعي
حدد العريان ثلاثة اتجاهات رئيسية قد تؤثر سلبًا على أداء استثمارات الذكاء الاصطناعي خلال العام الحالي. تتعلق هذه الاتجاهات بتزايد التفاوت الاقتصادي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والمخاوف من وجود فقاعة سعرية في قطاع التكنولوجيا.
تزايد التفاوت الاقتصادي
يشير العريان إلى أن الاقتصاد الأمريكي يشهد ما يصفه بـ “تباعد على شكل حرف K”، حيث تزداد الفجوة بين الدخول المرتفعة والمنخفضة. هذا التباعد له آثار سلبية على النمو الاقتصادي بشكل عام، حيث أن القدرة الشرائية لشريحة كبيرة من السكان تتضاءل.
وفي تصريحات سابقة له في مؤتمر ياهو فاينانس للاستثمار، ذكر العريان أن المستهلكين ذوي الدخول المنخفضة قد يكونون بالفعل في حالة “ركود”، نظرًا للضغوط التضخمية المتزايدة، وارتفاع معدلات البطالة، وارتفاع مستويات الديون الاستهلاكية. ويضيف أن توقف هذه الشريحة عن الإنفاق، ليس بسبب عدم الرغبة فيه، بل بسبب عدم القدرة عليه، سيؤثر سلبًا على الاقتصاد بأكمله.
التوترات الجيوسياسية المتصاعدة
تعتبر التوترات الجيوسياسية عاملاً آخر قد يقلل من شهية المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي. يشير العريان إلى تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا بعد مداهمة أمريكية للبلد والقبض على رئيسها، مما أدى إلى تقلبات جديدة في الأسواق.
ويوضح أن الاعتبارات الأمنية القومية والسياسة الجيوسياسية والتحركات السياسية الداخلية من المرجح أن تتجاوز العوامل التقليدية التي تدعم النشاط الاقتصادي والتجاري. ويقول إن العام 2025 كان يتميز بتجاهل التداعيات السياسية على الأسواق، بينما سيكون العام 2026 بمثابة تحدي للمستثمرين للتكيف مع هذه التداعيات.
مخاوف من فقاعة سعرية
تتزايد المخاوف من أن تكون الأسواق قد قيمت بشكل مبالغ فيه الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، مما يحد من إمكانية استمرار الارتفاع. ويعتقد العريان أن “الروح الحيوانية” التي دفعت التمويل الضخم وغير المنضبط في العام الماضي ستخضع للسيطرة بسبب هذه المخاوف، مما يجبر المستثمرين على أن يكونوا أكثر انتقائية.
وفي مقابلة مع ياهو فاينانس العام الماضي، وصف العريان الذكاء الاصطناعي بأنه “فقاعة عقلانية”، مشيرًا إلى أن ذلك قد يؤدي إلى خسائر فادحة للمستثمرين في المستقبل. ويذكر أن هذه الفقاعة قد تنفجر إذا لم تتحقق التوقعات المبالغ فيها حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الأرباح والنمو الاقتصادي.
تجدر الإشارة إلى أن العريان كان في السابق حذرًا بشأن مخاطر الركود وانهيار سوق الأسهم مع ارتفاع أسعار الفائدة. وعلى الرغم من أنه تبنى لهجة أكثر اعتدالًا في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يزال يحذر من عدد من الإشارات المقلقة في الأسواق المالية.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يزال يحمل فرصًا كبيرة، لكن المستثمرين بحاجة إلى توخي الحذر وإجراء تقييمات دقيقة للشركات التي تستثمر فيها. التركيز على الشركات التي لديها تطبيقات عملية ومستدامة للذكاء الاصطناعي، بدلاً من مجرد الركوب على الموجة الهيكلية، قد يكون هو الاستراتيجية الأفضل في ظل الظروف الحالية.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة مزيدًا من الوضوح بشأن مسار الاقتصاد العالمي والتوترات الجيوسياسية. سيكون من المهم مراقبة تطورات هذه العوامل، بالإضافة إلى أداء الشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، لتقييم المخاطر والفرص المحتملة. وستكون بيانات التضخم ومعدلات النمو الاقتصادي، وقرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، من بين المؤشرات الرئيسية التي يجب متابعتها عن كثب.

