لندن (أ ف ب) – أعلنت ويكيبيديا، الموسوعة الحرة التي يعتمد عليها الملايين حول العالم، عن سلسلة من الصفقات التجارية الجديدة مع كبرى شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أمازون وميتا ومنظمة ميسترال، وذلك في احتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها. هذه الخطوة تأتي في وقت يشهد فيه المحتوى الذي تقدمه ويكيبيديا استغلالاً متزايداً من قبل هذه الشركات في تدريب نماذجها اللغوية، مما أثار تساؤلات حول العدالة في توزيع الأرباح الناتجة عن ثورة الذكاء الاصطناعي.

ويكيبيديا والذكاء الاصطناعي: شراكة ضرورية أم استغلال للمحتوى؟

لطالما كانت ويكيبيديا نموذجاً فريداً للمعلومات المتاحة للجميع، لكن هذا النموذج يواجه تحديات جديدة مع صعود الذكاء الاصطناعي. فمنصات التكنولوجيا الكبرى وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كبير على المحتوى المستخرج من الويب، بما في ذلك ويكيبيديا، لتدريب أنظمتها. هذا الاعتماد أثار قلقاً بشأن حقوق الملكية الفكرية وتكاليف بناء هذه النماذج الضخمة.

مؤسسة ويكيميديا، المنظمة غير الربحية التي تدير ويكيبيديا، ليست غريبة عن هذه القضية. فقد عقدت بالفعل اتفاقية مع جوجل في عام 2022، وأعلنت عن صفقات أخرى مع شركات أصغر في مجال الذكاء الاصطناعي مثل محرك البحث إيكوسيا. هذه الصفقات الجديدة تهدف إلى تحقيق الدخل من حركة المرور الكثيفة التي تولدها شركات الذكاء الاصطناعي نحو ويكيبيديا، حيث تدفع هذه الشركات مقابل الوصول إلى المحتوى “بحجم وسرعة مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتها”.

جيمي ويلز يرحب بتدريب الذكاء الاصطناعي على محتوى ويكيبيديا

على الرغم من الجدل الدائر حول هذه القضية، أعرب جيمي ويلز، مؤسس ويكيبيديا، عن ترحيبه بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات ويكيبيديا. وأكد ويلز في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس أنه يفضل أن يتم تدريب الذكاء الاصطناعي على محتوى منسق بواسطة الإنسان، مشيراً إلى أنه لا يثق في الذكاء الاصطناعي الذي تم تدريبه فقط على منصات مثل X (تويتر سابقاً).

وأضاف ويلز: “نريد العمل مع شركات الذكاء الاصطناعي، وليس حظرها. ولكن ربما يتعين عليهم المساهمة ودفع حصتهم العادلة من التكلفة التي تتحملها علينا”. هذا التصريح يعكس موقفاً براغماتياً يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على مبادئ ويكيبيديا وضمان استدامتها المالية في عصر الذكاء الاصطناعي.

تأثير الذكاء الاصطناعي على حركة المرور على ويكيبيديا

في العام الماضي، حثت مؤسسة ويكيميديا مطوري الذكاء الاصطناعي على الدفع مقابل الوصول إلى محتواها من خلال منصة خاصة، وذلك بعد ملاحظة انخفاض بنسبة 8٪ في حركة المرور البشرية. في المقابل، شهدت حركة المرور الناتجة عن الروبوتات، والتي غالباً ما تكون مخفية لتجنب الاكتشاف، زيادة كبيرة، مما أدى إلى ضغط هائل على خوادم ويكيبيديا.

هذا التحول يعكس الاتجاه المتغير عبر الإنترنت، حيث تلخص أدوات الذكاء الاصطناعي المعلومات بدلاً من توجيه المستخدمين إلى المواقع الأصلية. ومع ذلك، تظل ويكيبيديا واحدة من أكثر المواقع زيارة على شبكة الإنترنت، حيث تحتوي على أكثر من 65 مليون مقالة بـ 300 لغة، ويحررها حوالي 250 ألف متطوع.

استراتيجية ويكيميديا للذكاء الاصطناعي: نحو أدوات لتحسين تجربة التحرير والقراءة

لا تقتصر رؤية مؤسسة ويكيميديا على مجرد تحقيق الدخل من الذكاء الاصطناعي، بل تتضمن أيضاً استكشاف طرق للاستفادة من هذه التكنولوجيا لتحسين تجربة المستخدم. فقد حددت المؤسسة استراتيجية للذكاء الاصطناعي تهدف إلى تطوير أدوات يمكن أن تقلل من الجهد المبذول في عملية التحرير.

على سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديث الروابط الميتة عن طريق مسح النص المحيط والبحث عن مصادر بديلة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين تجربة البحث في ويكيبيديا من خلال الانتقال من طريقة الكلمات الرئيسية التقليدية إلى أسلوب الدردشة الآلية، مما يسمح للمستخدمين بطرح الأسئلة والحصول على إجابات مباشرة من المقالات ذات الصلة. هذا التطور يمكن أن يجعل ويكيبيديا أكثر سهولة وفعالية للمستخدمين.

التحديات المستقبلية: الانتقادات والتهديدات المحتملة

على الرغم من النجاح الذي حققته ويكيبيديا، إلا أنها تواجه بعض التحديات. فقد تعرضت لانتقادات من شخصيات يمينية اتهمتها بالتحيز لصالح اليسار، مما أدى إلى تحقيق الكونجرس الأمريكي في “جهود تلاعب” مزعومة في عملية التحرير.

كما أطلق إيلون ماسك منافساً خاصاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهو Grokipedia، وانتقد ويكيبيديا بشدة. ومع ذلك، يرى ويلز أن Grokipedia ليس “تهديداً حقيقياً” لويكيبيديا، حيث يعتمد على نماذج لغوية كبيرة ليست قادرة على إنتاج مواد مرجعية عالية الجودة.

في الختام، تواجه ويكيبيديا تحديات وفرصاً جديدة في عصر الذكاء الاصطناعي. من خلال إبرام صفقات تجارية مع شركات الذكاء الاصطناعي واستكشاف طرق للاستفادة من هذه التكنولوجيا لتحسين تجربة المستخدم، تسعى ويكيبيديا إلى الحفاظ على مكانتها كمصدر موثوق للمعلومات المجانية للجميع. من المهم متابعة تطورات هذه الشراكات وكيف ستؤثر على مستقبل الموسوعة الحرة.

شاركها.
Exit mobile version